فهرس الكتاب

الصفحة 562 من 1140

فصل: ولا يجوز لمن كانت عنده أخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يسأل عنها أن يمتنع عن روايتها، ليعطي عليها مالًا، لأنه لا يؤدي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ما أداه الرسول إلى أمته.

ومعلوم أن الله تعالى لم يكن أطلق أحدًا الآخر من أمته على ما يبلغهم إياه عن ربهم، ولذلك لا ينطلق ذلك لأحد من المؤدين عنه وإن رواها وأخبر بها قومًا.

ثم رغب قوم آخرون في سماعها فهم بالخيار بين أن يسمعوها من الذين سمعوا قبلهم ولا يمنع أولئك السامعين خبر صاحبهم الذي حدثهم أن يرووا، فيحدثوا.

ومن أن يسمعوا ممن سمع منه الأولون.

فإذا أرادوا ذلك، لم يكن للعالم أن يمتنع عن تحديثهم، ويقول لهم: اسمعوا من بعض من قد سمع مني، لكن منزلة هؤلاء الآخرين كمنزلة الأولين، لأنهم يحتاجون إلى ما عندهم مثل حاجتهم، ولو كان الذي سمع منه شريك قيمًا سمع له، لم يكن له أن يحمل الراغبين في روايته، فكذلك لا يكون له أن يحملهم على الذين سمعوا منه.

فإن قيل: إنه إذا روى ما عنده فسمع منه، فقد أدى الأمانة، وأراح المحتاجين لعلمه.

فإن أبى أن يسمع ممن سمع منه، فإنما يرتد على الإسناد والإسناد النازل في إفادة الناس، وإلزام الحجة كالإسناد العالي.

فهلا قلتم أنه يلزم العالم أن يجلس للآخرين فيحدثهم كما حدث الأولين.

قيل: لأنه إذا ألزمهم السماع من بعض من سمع منه عرضهم لكلفة ذات خطر، وهي أن يجتهدوا فيمن يسمعون منه لم يروون عنه، ولا يأمنون أن يزالوا عند الاجتهاد، فيرون من ليس يعدل عدلًا فيصدقوه في روايته، ويثقون به في الرواية عنه، فيكونوا قد ائتمنوا الخائن وعدلوا الفاسق، وقبلوا خبر من أوجب الله تعالى التثبت في خبره، ورأوا من هو عدل غير عدل، فيدعوه، وفي ذلك تخوين الأمين، وتفسيق العدو، وإضاعة السنة، فلم يجز له ذلك.

كما كان لا يجوز له في أول ما سئل عن الحديث أن يكتبه، فيعرض لم يبلغه ولم يسمعه الاجتهاد فيما جاء الحديث فيه.

ولعله إذا اجتهد أخطأ وترك وظن ما ليس بحكم حكمًا، وأنزل ما ليس عند الله حقًا.

فلما لم يسعه في أول الأمر كتمان الحديث، فلهذا المعنى لم يسعه من بعد ردهم إلى أحد من الذين جاءوا أخر وإحالتهم على الأولين والله أعلم.

وإن أخبر العالم بما عنده قومًا فسألوه أن يعيده عليهم مرة أو أكثر ليحفظوه.

فإن كانوا فهموه وأدركوا معناه، ولكنهم أغفلوا ألفاظه أو بعضها لم يكن عليه أن يعيده عليهم، وإن كانوا لم يفهموه مع علمهم باللسان، فعليه إعادته، كما عليه تحديث غيرهم به إذا سألوه.

لأن حاجة الذي سمع علم يفهم، وهو يرجو إذا أعيد عليه أن يفهم لحاجته من لم يسمع، وهو يرجو إذا سمع أن يفهم، وكذلك لو سمع وفهم ثم نسي واستعاد، فهو كالذي لم يسمع.

وعلى الراوي بحديثه إلى ثلاث، فإن جاوزها لم يكن عليه أن يعيده بلا عوض، وينبغي أن يكتبه السامع لئلا ينساه، أو يستكتبه غيره، وهذا إذا نسي الحديث أصلًا، فلم يذكر لفظه ولا معناه.

فإن استعيد ما روي في مجلس واحد مرات ليحفظ ألفاظه بعدما فهم معناه، كان له أن لا يفعل ذلك إلا بعوض، لأن هذا تعليم لا رواية.

فإن الحديث قد حصل عند السامعين بما عرفه من معناه، وإنما يريد أن يحتمل ألفاظه بأعيانه لئلا يحتاج إلى أن يكتبوا ما عرف من المعنى ألفاظًا من عنده، إذا أخبر به غيره، وإنما كان على الراوي إذا ما سمع إليه ليشركه في علمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت