فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 1140

فصل: ثم إن الإيمان الذي يراد به التصديق لا يعدو إلى من يضاف إليه ويلصق به إلا بصلة وتلك الصلة قد تكون باء وقد تكون لامًا.

أما ما جاء بحرف الباء فمنه قول الله تعالى: {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ} ، وقوله: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} ، وقوله جل وعز: {آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، وأما ما جاء باللام فمنه قوله تعالى في قصة إبراهيم صلوات الله عليه: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} ، وقوله حكاية عن نوح صلوات الله عليه: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} ، وعن قوم فرعون أنهم قالوا لموسى وهارون صلوات الله عليهما: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} ، وعن أبناء يعقوب صلوات الله عليهم أنهم قالوا لأبيهم: {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} ، وعن كفار العرب أنهم قالوا فيما بينهم: {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} .

فمن الناس من قال: إن قولهم «آمنت به» ، و «آمنت له» لغتان يعبر بهما عن معنى واحد.

والصحيح ما خالف هذا، وهو أن قولهم: «آمنت به» إنما يراد إثباته وتحقيقه والتصديق بكونه ووجوده.

وقوله: «آمنت له» إنما يراد اتباعه وموافقته، فالإيمان بالله - تعالى جده - إثباته والاعتراف بوجوده، والإيمان له القبول عنه والطاعة له.

والإيمان بالنبي إثباته والاعتراف بثبوته، والإيمان للنبي موافقته والطاعة له.

ويدل على افتراق الصلتين أن أحدهما تصلح حيث لا تصلح الأخرى، فإن بني يعقوب عليه السلام لو قالوا لأبيهم: «وما أنت بمؤمن بنا» لما صلح لذلك.

ولو قال كفار العرب: «ولا تؤمنوا إلا بمن اتبع دينكم» لما أدى ذلك لما أرادوه من المعنى.

وأمر الله نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلّم - أن يقول للمنافقين: {لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} ، أي لن نقبل منكم عذركم، ولو كان مكانه: «لن نؤمن بكم» ، ما جاز ولا حسن.

وقال جل ثناؤه: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت