الخامس من شعب الإيمان
وهو باب في أن القدر خيره وشره وحلوه ومره من الله عز وجل
القدر ـ بفتح الدال ـ هو المقدور.
والقدر ـ بتسكين الدال ـ هو الفعل.
قال الله عز وجل: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} .
وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} .
وهي الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، وعلمنا أنه أراد بالقدر ذلك الفرق.
والقدر والتقدير واحد، والقدر والمقدور واحد.
والقدر والقدر كالنقص والنقص والحبط والحبط، وبان بذلك أن المراد بالحديث: إن كل مقدور فالله قدَّره، وإن الخير والشر وإن كانا ضدين فإن قادرهما واحد، وليس قادر الشر غير قادر الخير، وكما يقوله الثنوية.
فإن قيل: فإن الله - عز وجل - خص الخبر بإضافته إلى نفسه، فقال ببدل الخير: أنك على كل شيء قدير، وعلى النبي - صلى الله عليه وسلّم - في إستفتاح الصلاة: «والخير منك وإليك، والشر ليس إليك» .
فالجواب: أن معنى تخصيص الخبر بإضافته إلى الله - عز وجل - للاعتراف له بأن النعم كلها من عنده، لأرفع أن يكون الشر من عنده، كما أن تخصيص السماوات والأرضين بإضافتهما إلى خلقه، إنما هو الاعتراف بأن كل موجود سواه وإن عظم ولم يقدر العباد قدره، فالله خالقه، لأرفع أن يكون الذر والهباء من خلقه.
وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلّم: «الخير منك وإليك والشر ليس إليك» فإن معناه: إن الإحسان منك وإليك، أي أن ما يصيبنا من خير وحسن فأنت مؤاتيه.
والمنعم وما يكون منا من طاعة وفعل حسن، فأنت المقصود به، وعبادتك هي المراد منه.
فأما ما يصيبنا من خير وشر فإنه وإن كان منك أيضًا فإن ذلك بشرور أنفسنا وهي ما تقع من أعمالنا من سيء وقبيح فلست المقصود به، أي ليس غرض المسيء منا في إساءة خلافك وعصيانك، كما أن غرض المحسن منا في إحسانه طاعتك وعبادتك، وإنما هو عقله بغرض فيتبع المسيء فيها شهوته من أن يكون العصيان عضده وإرادته، ولو قصد ذلك لضاهى إبليس ومن كان من المتكبرين، فإنما هذا الكلام تبرأ من النفاق والعناد لا أنه نفي الشر أصلًا عن الله، وإنكار أن يقدر الشر وبالله التوفيق.
فإن قيل: قد قال الله - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلّم: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} .
وهذا خلاف ما يقولون!