الحادي والثلاثون من شعب الإيمان
وهو باب في الكفارات الواجبة بالجنايات
وهي في الكتاب والسنة أربع كفارات: كفارة القتل، وكفارة الظهار، وكفارة اليمين، وكفارة المستبشر في صيام.
فأما كفارة القتل، فقد قال الله - عز وجل - فيها: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} .
فأوجب الكفارة عليه.
ثم اختلف في معناها.
فقيل: أوجب تمحيصًا وظهور الذنب للقاتل، وذنبه ترك الاحتفاظ والتحفظ حتى هلك على يده أمر محقوق الدم.
وقيل: أوجب بدلًا من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل، فإن كان له في نفسه حق، وهو التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف للأحياء، وكان لله تعالى فيه حق، وهو أنه كان عبدًا من عباده يجب من اسم العتق صغيرًا كان أو كبيرًا، أو حرًا كان أو عبدًا، أو مسلمًا أو ذميًا مما يتميز به عن البهائم والدواب، ويرجى مع ذلك أن يكون من يسأله من يعبد الله ويطيعه، فلم يخل قابله من أن يكون فوت منه الاسم الذي ذكرنا، أو المعنى الذي وصفنا.
فلذلك ضمن الكفارة، وأي واحد من هذين المعنيين، كان يكفيه بيان: إن النص وإن وقع على القاتل خطأ، فالقاتل عبدًا مثله، بل أولى بوجوب الكفارة في ماله، وكفارة القتيل تحرير رقبة، فإن لم يجدها القاتل فصيام شهرين متتابعين كما قال الله - عز وجل - ولا يجزيه الإطعام.
وأما كفارة الظهار، فقد قال الله - عز وجل - فيها: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} ، فأوجب على ناقض ظهاره كفارة، والناقض من يكذبه.
وهو إذا أمسك امرأته بعدما شبهها ببدن أمه فأمكنه فراقها، فقد كذب ظهاره، فوجب عليه الكفارة.
ومن الناس من استدل على أن هذه الكفارة إيمان بأن الله تعالى لما ذكرها أوجبها قال: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} .
أي قال: ليكونوا مطيعين لله تعالى واقفين عند حدوده لا يتعدوها، فسمي التكفير لأنه طاعة ومراعاة للحد إتمامًا.
فثبت أن كل ما أشبهه فهو إيمان.
فإن قيل: معنى قوله - عز وجل - ذلك {لِّتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي لئلا يعود للظهار الذي هو من القول الزور.
قد يجوز أن يكون هذا مقصودًا، والأول مقصودًا.
فيكون المعنى ذلك لئلا يعودوا فيقولوا المنكر والزور.
تدعونها طاعة لله تعالى إذ كان قد حرمها.
وليتجنبوا المظاهرة منها إلى أن يكفروا إن كان الله تعالى منع من مسببيها، ويكفروا إذ كان الله تعالى أمركم بالكفارة وألزمكم بإخراجها، فتكونون بهذا كله مؤمنين بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلّم -، لأنها حدود يحفظونها وطاعات يؤدونها.
والطاعة لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلّم - إيمان، وبالله التوفيق.