فصل: إن سأل سائل فقال: إنكم تزعمون أن للجنة خزنة ورأسهم رضوان، وللنار خزنة ورأسهم مالك، ويتلو في القرآن: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ} فأخبرونا عن هؤلاء الخزنة، ماذا يعملون؟ وعن من يخزنون والخزن فيما بيننا أن يكون حفظًا لما يخشى عليه أن يؤخذ ويفوت على صاحبه، فمن الذي يمكن أن يأخذ من الجنة شيئًا، فيفوته؟ ولئن كان ما في الجنة يخزن لأنه نعيم مرغوب فيها، فالذي في النار يخزن منها، وما الذي يدعو إلى خزنه؟
الجواب: إن خزن ملائكة الجنة نعيمها إنما يكون لأهلها، فكل واحد منهم يجعل إليه مراعاة قسط معلوم من تلك النعم لمن أعد له، حتى إذا وافى الجنة كان هو الذي يمكنه منه بأمر الله تعالى بخزنه إياها قبل التسليم هو مقامه على ملاحظة ما جعل بسبيله وانتظار من أهل له، واتصال ذلك إليه إذا حضر، وعرضه عليه على الوجه الذي يكون أسر له والترتيب الذي يكون أوقع بقلبه وأنغم بعينه، وذلك عبارة منه لله تعالى لأنه يأمره بعمل ما يعمل، فهذا خزن نعيم الجنة لا حفظها عن أحد يخاف منه عليها.
وأما خزن ملائكة النار فيحتمل أن يجزى كل واحد منهم بعض الأنكال والمقامع والأغلال والسلاسل لمعنى أن ينفرد به، فيكون هو المستعمل والواضع والرافع إلى الذين يباشرون العذاب ويتولونه، فتكون مراعاة ذلك منه أيضًا عبادة له لأنه بأمر الله تعالى يفعل ولا ينتقم لا أن هناك من يخش أن يأخذ شيئًا منها ويفوت بها والله أعلم.
فصل: إن سأل سائل عن قول الله عز وجل: {كُلَّمَآ أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا} فقال: إذا لم تكن الدار لا الجنة والنار، وكانت الجنة عالية والنار سافلة، وليس في السفل شيء إلا النار، قال أين يريد أهل النار أن يخرجوا؟
قيل له: يحتمل أن يكون المعنى المعذبين منهم في جب من جهنم أو موضع أغم من غيره إن قصدوا أن يخرجوا إلى صحصاح يكون الغم والألم فيه أقل، لم يتركوا وأعيدوا إن كانوا قد رجعوا قليلًا إليه، وقد قال - عز وجل - في آية: كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم، أعيدوا فيها، فيقرب أن يكون هذا معنى الآية والله أعلم.
فصل: إن سأل سائل: عن المعذبين من أهل الكبائر، إذا خرجوا إلى الجنة كيف يصار بهم إلى الجنة؟ والأولون إنما أخبروا إليها على الصراط، أفيكون الصراط باقيًا ما بقي في النار من المؤمنين أحدًا! أو يعاد الآخرون أو يجعل لهم سبب سواه، فيخلصوا إلى الجنة؟