فصل: ثم إن هذه الزكاة كما أوجبت في هذه الأصناف الثمانية من أجناس المال، وكذلك لثمانية أصناف من طبقات الناس، قال الله عز وجل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} .
ولم يدخل غير هؤلاء من المحاويج معهم كالأسير الفقير في أيدي العدو ليفتدى به، فيخرج من أيديهم، ولا في المحبوس ظلمًا في ما لا طاقة له به أو تكفين الميت المعسر ودفنه.
لأن الأسير لو كان واجدًا مالًا لزمه أن يفتدي نفسه، والمحبوس ظلمًا في مال يراد عنه لو وجده، فألزمه أن يعطيه.
لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «من قتل دون ماله فهو شهيد» .
ولذلك أهل الصدقات، لأن كل واحد منهم لو كان واجدًا للزمه كفايته من ماله.
وأما الميت المعسر فلا سبيل إلى تمليكه.
وشرط الزكاة التمليك.
فلهذا لم يكن لهذه الأبواب مدخل في الزكوات والله أعلم.
فصل: ومن الأموال ما يظهر كالمواشي والنخل والكرم والزرع فيكون أخذ صدقاتها إلى الولاة.
قال الله - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلّم: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} .
ولذلك أخذ صدقة الفطر في وجوبها لوقت معلوم، فلا تخفي كما لا تخفي زكاة ما أخرجته الأرض إذا بدأ صلاحه.
ومنها ما خفي كالذهب والفضة، فيكون لرب المال تفريق زكاته بنفسه.
فكل ما كان أخذ زكاته إلى الوالي، فالسمع والطاعة واجبان له على من خلت الزكاة ماله.
ولا ينبغي له أن يقل، ولا أن يكتم إن كان الوالي عدلًا، على ما يجيء بيانه.
وإذا أحضر المصدق المال، فإن قدر على دفع حقه إليه في الحال لينصرف لم يحبس.
فإن كان ذلك مما يحتاج فيه إلى مهلة وزمان أنزل وأكرم، فإن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أوصى بالضيف، ومن أكرم الأضياف فيساوى الحق من حقوق الله تعالى، وكان مؤتمنًا عليه ليؤدى كما أمر به إليه، ثم لا يبتغي لرب المال أن يتضجر من الصدقة ويتحرى بها رد له المال.
فيكون كمن حبس بعضها عليه فأدى بعضه.
فإن وصي رجلًا إياه مصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، فبعث هضيل محلول، فلما أتاه قال النبي «لا يبارك فيه وفي إبله» فبلغ ذلك الرجل فبعث بناقة حسنة، فقال: «اللهم بارك فيه وفي إبله» .
وقد قال الله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} .