فهرس الكتاب

الصفحة 1090 من 1140

الثامن والستون من شعب الإيمان

وهو باب في إكرام الضيف

جاء فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» .

وروى أنه ضاف رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ضيف كافر، فأمر له رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بشاة فحلبت فشربه، ثم أخرى فشربه، حتى شرب حلاب سبع شباه.

ثم أصبح الغد فأسلم.

فأمر له رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بشاة فحلبت، فشرب حلابها ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «المؤمن يشرب من معاء واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء» .

وينبغي لمن نزل به ضيف أن يعجل له ما يقدر عليه، فيقدمه في الوقت إليه، لأن الأغلب توقان نفسه إلى الطعام.

قال الأحنف بن قيس: ثلاث ليس عندي فيهن أناة، الضيف إذا نزل بي أعجل له ما كان، والجنازة أن لا أحبسها، والأيم إذا عرضت لي رغبة أن أزوجها.

وجاء أن رجلًا دخل على سلمان فدعا له بخبز وملح فأكل.

قال سلمان: لولا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - نهانا أولًا، أنا نهينا أن يتكلف أحدنا لصاحبه لتكلفت لك.

ومعنى هذا فيما نرى أنه نهاهم أن يرفضوا الضيف إلى أن يدرك ما يتكلف به.

ولم ينههم عن التكلف أصلًا، لأنه قد قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» .

وليس من الإكراه أن يكون الذي في المنزل مما لا يكرم أحد فيه، فقد يمد إليه فيقتصر الضيف عليه ولا يتكلف له غيره.

فثبت أن معنى الحديث ما قلت.

وفيه من المعنى أن الضيف ألصق جوارًا من الجار المطلق، لأن ذلك جار بالبدن، فأي إحسان أوجب لأبعد الجارين، فهو لأقربهما أوجب.

وفيه أن من نزل به ضيف ثقة، وإحسان ظن به فقبله، أو كان استضافه، فإن استضافه أمانة، ويدخل في عهده، لأن قبول الضيف لا يكون إلا للقرى، وإذا لم يقره ولم يكرمه كان كمن قبل أمانة ثم ضيعها.

ألا ترى أن لوطًا النبي عليه السلام كيف شرح الله صدره بأن يقري الذين قدرهم لضيافة ببناته، فقال {هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} .

وقال: {إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ} .

لو رأى أن الأضياف أمانات لما التزم في بناته ما لا شيء أشد على قلوب الرجال منه.

وفيه أن التقصير في حق الضيف لوم وخشية، والله - عز وجل - بعث لرسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بمكارم الأخلاق، وقال: إن يحب معالي الأخلاق وينقص بسفسافها.

فدل ذلك على أن معاملة الضيف بغير الإكرام ليست من أخلاق هذا الدين والله أعلم.

ثم قد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «الضيافة ثلاثة أيام فإن جاوزها فهو صدقة» وجاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه، فهو دين عليه إن شاء اقتضاه» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت