وإن كان المعهود من محاسبة الناس بعضهم من بعض خلاف هذا، ألا ترى أن مدته تتسع لأحداث خلائق كثيرة معًا كما تتسع لأحداث أحدهم، وقدرته على أحداث الخلق العظيم، كقدرته على أحداث خلق صغير، وقد بين جل ثناؤه ذلك في كتابه فقال: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} ، أي إلا كخلق نفس واحدة، وليس هذا للعباد، ولأن أحدًا منهم لا يقدر على الجمع بين بناء دارين وركوب دابتين، وقطع ثوبين وخياطة قميصين.
وإذا تعاطى أحدهما لم يفعله إلا شيئًا فشيئًا، واحتاج لأكثرهما شغلًا إلى زمان أطول، لذلك تتسع قدرة الله تعالى لمحاسبة الخلق كلهم معًا ولا يحتاج لمحاسبة أكثرهم عملًا إلى زمان يطول هذا إن حاسب نفسه، فأما إن أمر الملائكة بالمحاسبة، فإنه يقتص لكل واحد منهم ملكًا بحسابه، فيقتضي محاسبتهم في وقت واحد من هذين مما لا يقدر عليه غيره على مثله، فيستحق في الوجهين أن يكون أسرع الحاسبين وبالله التوفيق.
وقال: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} .
فالشهيد في هذه الآية النبي - صلى الله عليه وسلّم -.
وشهيد كل أمة نبيها، وأما الشهداء من قبلها فالأظهر أنهم كتبة الأعمال بحضرة الأمة ورسلها، فيقال للقوم: ما أجبتم المرسلين؟ فيقول الرسل لله تعالى: {لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} ، وذلك أما لأنهم نسوا ما أجيبوا به، وأما لأن الهيبة تأخذ بمجامع قلوبهم، فيذهبون في تلك الساعة عن الجواب، وإن كانوا ذاكرين له من قبل.
ثم إن الله تعالى ينبئهم ويحدث لهم ذكرًا فيشهدون بما أجابتهم به أممهم، فهذا فيما بين كل نبي وقومه.
فأما كل واحد من القوم على الإنفراد فالشاهد عليه صحيفة عمله وكاتباه، فإنه قد أخبر في الدنيا بأن عليه ملكين يحفظان أعماله وينسخانها، واعلم أن جميع ما ورد عليه قبل أن يرد، وعرف أن الملائكة أمناء لا يعصون الله ما أمرهم، وإنهم من خشيته مشفقون، فريق بذلك كله، واعتقد واعترف بأنهم لا يزيدون ولا ينقصون ولا يحرفونه ولا ينتمون ولا يغلطون ولا ينسون، فلا حجة عليهم في موقف العرض والحساب أولى بأن يقام عليهم من شهادتهم وما كتبوه لهم وعليهم.