والحال الخامسة أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض، فتذرها شعاعًا في الهواء كأنها غبار فمن نظر إليها من بعد حسها ليحسبها أجسادا خامدة، وهي بالحقيقة مارة، إلا أن مرورها مرور الرياح مندكة متنقبة.
والحال السادسة أن تكون سرابًا يعني لا شيء، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئًا منها، كما أن من يرى السحاب من بعد إذا جاء الموضع الذي كان يراه فيه لم يجد شيئًا، والله أعلم.
فصل: قد وصف الله تبارك وتعالى هذا اليوم بأن العشار تعطل فيه، كما وصفه بأن كل مرضعة تذهل فيه عما أرضعت، ومعنى ذلك ـ والله أعلم ـ أنهم إذا قاموا من قبورهم وشاهدوا بعضهم بعضًا ورأوا الوحوش والدواب محشورة، وفيها عشائرهم التي كانت أنفس أموالهم، لم يعبأوا بها ولم يهمهم أمرها، ويحتمل تعطيل العشار، وإبطال الله تعالى أملاك الناس عما كان ملكهم إياها في الدنيا وأهل العشار يرونها لا يجدون إليها سبيلًا والله أعلم.
فصل: ووصف الله تعالى هذا اليوم بأن البحار تسجر وتفجر منه، فقال في سورة: {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} .
وقال في آية أخرى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} .
فقيل: إن معنى سجرت وفجرت واحد.
وقيل معنى سجرت أحميت.
فمن قال معنى سجرت وفجرت واحد، قال يحتمل ذلك وجهين: أحدهما أن الأرض والجبال إذا حملتا ودكتا فقد يمكن أن تصير فيها أخاديد عظيمة تفجر إليها مياه البحر.
وقيل: معنى فجرت، تفجر بعضها البعض، وترتفع الحواجز التي بينها اليوم، وأي واحد من هذين، قيل: فإن مرجعه إلى أن البحار إذا أخليت من المياه، أبرز مكانها نار مخلوقة تحتها، ملأت البحار ملء المياه إياها، وذلك هي جهنم.
وأرض البحار أطباق لها، فإذا كشف الغطاء برزت، فذلك قوله: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى} وأما من قال: سجرت، أحميت، فإنه يقول: معناه أن البحار تقلب نارًا وكذلك عند تكوين الشمس كما سنبينه.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «لا يركبن أحد البحر إلا حاجًا أو معتمرًا، أو مجاهدًا في سبيل الله، فإن تحت البحر نار ثم بحر ثم نار حتى عد سبعة أبحر» وليس المعنى في السبعة أنها محاذية تحاذي الأطباق، ولكنه أن كل بحر من البحار التي على وجه الأرض تحته نار.
ثم العطف هاهنا لا للترتيب.
وروى يعلى ابن أمية قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «البحر هي جهنم» فقيل له في ذلك فقال: «نار أحاط بهم سُرادِقُها» ثم قال يعلى: لا تصيبني منه قطرة حتى أعرض على الله، ولا أدخله حتى ألقى الله.
وهذا إلى قول من يقول: إن البحار تقلب نارًا أقرب.