فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 1140

وفيها بيان المخلط توزن حسناته وسيئاته، ولذلك قال {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} ، أي لا توزن له سيئة، لأن نقصانها من ميزانه كان لا يحول بينه وبين الجنة، كما لو تركت للمخلط حسنة ازداد ذلك من ثقل سيئاته، وأوجب ذلك زيادة عذاب عليه.

فعلمنا أن الطبقات يومئذ ثلاث كما بينا والله أعلم.

فأما أن الوزن كيف يكون، ففيه وجهان: أحدهما أن صحف الحسنات توضع (في) الكفة المضيئة، وصحف السيئات توضع في الكفة المظلمة، لأن الأعمال لا تنسخ في صحيفة واحدة ولا كاتبها يكون واحدًا، لكن الملك الذي يكون على اليمين يكتب الحسنات والملك الذي على الشمال يكتب السيئات، فيفرد كل واحد منهما بما ينسخ، فإذا جاء وقت الوزن وضعت الصحف في الموازين فيثقل منها ما يحق تثقيله، وخفف ما يحق تخفيفه.

والوجه الآخر: أنه يجوز أن يحدث الله أجسامًا مقدرة بعدد الحسنات والسيئات، ويميز أحدهما عن الآخر بصفات يعرفونها، فيوزن كما توزن الأجسام بعضها ببعض في الدنيا، والله أعلم.

فصل: إن سأل سائل عن الأعمال إذا وزنت ما يعتبر فيها في الوزن فيظهر بها الأخف والأثقل؟

قيل له: تعتبر فيها مواقعها من رضى الله عنه تعالى أو سخطه، وذلك أن المؤمن قد يأتي بحسنة لا يريد فيها إلا وجه الله تعالى ولا يحمله عليها إلا حبه لله تعالى ورغبته في تحصيل مرضاته.

وقد يأتي خوفًا من عقابه، وقد يأتي فرقًا في حال إتيانه بها من أن لا تقبل منه، وأن لا تكون وقعت من كل وجه على ما يرضاه الله تعالى.

وقد يأتي ساكن العلم إليها معتقدًا أنه قد أدلها وخرج عن عهدتها وعلى هذا قد يواقع السيئة غافلًا عن نهي الله تعالى لا يخطر بقلبه أن الذي يأتيه سيئة لا يرضاها الله تعالى وذلك لألفة إياها ومرونية عليها وإن كان لو وقف في تلك الساعة وسئل عما يأتيه لاعترف بها سيئة خائفًا من تبعتها فرقًا من مواجدة الله تعالى إياه بها.

إلا أن ما يغلب عليه من الهوى يحول بينه وبين الكف عنها ثم ذلك الهوى أيضًا يختلف فقد يشذ حتى يجد صاحبه في اتباعه لذة كثيرة، وقد يخف فلا يجد صاحبه في اتباعه إلا لذة يسيرة.

وكذلك الداعي إلى الحسنة يختلف وقد يقوى حتى يجد صاحبه من إجابته وفعل الحسنة التي دعا إليها فرحًا شديدًا، إنما تبشره لها، وقد لا يبلغ هذا المبلغ فيكون فرح الفاعل للحسنة دون فرح الذي ذكرناه، وكل هذه الوجوه معتبرة في الوزن.

فلذلك يصلي رجلان بصلاة واحدة ويصومان يومًا واحدًا ويحجان معًا، ويكون ما يظهر من أعمالهما سواء إلا أن عمل إحداهما أثقل وزنًا وأكبر ثوابًا، ويصل واحد ركعتين فرقًا وركعتين مثلهما وقتًا آخر، فتكون إحدى صلاتيه أفضل من الآخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت