فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 1140

وإذا كان كذلك، صح أن أمره لم يكن من قبل الكهانة، ولا علمه كان من جهة مسترقة السمع، فإن ذلك لو كان لم يخل الجني الذي يحضره ويكلمه من أن يكون كافرًا أو مؤمنًا، وقد بينا أن ذلك غير ملائم لواحدة من الحالين.

فبطل أن يكون للجن إليه سبيل أَصلًا، وبالله التوفيق.

ومنها أن الكهان لم يكن بينهما أمر ولا نهي ولا وعظ ولا وعد ولا وعيد، وكان الأغلب مما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلّم - الدعاء إلى الله تبارك وتعالى، وبيان أحكامه والإرشاد إلى عبادته والوعظ والتبصير والإنذار والتبشير، كما كذلك كان الذي جاء به موسى وعيسى عليهما السلام، وتبرئتهما من الكهانة، فليقل في نبينا - صلى الله عليه وسلّم - قوله فيهما، لأن الذي جاء به كان نظير الذي جاء به موسى وعيسى، أنه لا نظير كهانة الكهان.

وإن كان يزعم أن موسى وعيسى كاههنان كذبتهما المعجزات التي آتياها ما لا يجوز أن يكون للجن فيه صنع بوجه من الوجوه نحو إنقلاب العصا حية وإنقلاب النيل دمًا ثم عودة ماء الطمس على أموال قوم فرعون كانفلاق البحر، وظهور طرق يابسة فيها بضربة واحدة، وحياة الميت، وإنقلاب الطين طائرًا حيًا، وبرء الأكمه والأبرص، فإن هذه أمور لا تمكن إلا من الله جل ثناؤه، فإذا ثبت بها نبوة موسى وعيسى عليهما السلام، وكانت دعوة محمد - صلى الله عليه وسلّم - مشاكلة لدعوتهما، ثبت أن أمره لم يكن من ناحية الجن كما لم يكن أمرهما من ناحيتهم والله أعلم.

ويؤكد هذا أن الكهنة ما كانت لهم دعوة مستحيلة في أحوال الضرورات العارضة للناس، وقد كان منها لنبينا - صلى الله عليه وسلّم - ما كان للأنبياء عليهم السلام مثله.

فدل ذلك على أنه كان نبيًا ولم يكن كاهنًا وبالله التوفيق.

فصل: فأما قول من قال: يجوز أن يكون تابعه محمد وأولياؤه من الجن، هم الذين قاتلوا المشركين ببدر، دون أن يكون الله تعالى أمده بجند من السماء لأجل النبوة!

فالجواب: إن هذا لو كان هكذا لوجب أن يقاتل توابع المشركين وأولياؤهم توابع النبي - صلى الله عليه وسلّم - وحزبه، وإن كانت فعلت هذا، فهلا وجد في المسلمين من قتلى الجن مثل ما وجد في المشركين من قتلى غير الإنس، فقد كان الكافر يقع بالأرض قبلا، ولا يرى قاتله، وترى أبدان المشركين طعنات لا تشبه طعنات بني آدم، ولم ير بأحد من المسلمين من مثل هذا شيء، فهذا يبين أن مدد المسلمين لم يكن إلا الملائكة ..

التي لا يجوز أن تبصر إلا أولياء الله بأمر الله، وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت