فهرس الكتاب

الصفحة 1076 من 1140

الخامس والستون من شعب الإيمان

وهو باب في تشميت العاطس

روي ذلك في الحديث الذي قيل له «حق المسلم على المسلم خمس» فذكر منها أن تشميته إذا عطس ونص بالتشميت للآخر.

فسئل عن ذلك فقال: إن هذا حمد الله، وهذا لم يحمد الله.

ويقال: أن الأصل في ذلك ما ذكره وهب في كتابه في بدء الخلق: أن أبانا آدم صلوات الله عليه كان مصورًا من فخار، فلما نفخ الله تعالى فيه الروح وجعله بشرًا عطس.

فقال له: قل الحمد لله.

فقال له: يرحمك الله، أو يرحمك ربك.

ومعنى حمد الله عند العطاس، أن العطاس دفع للأذى من الدماغ الذي فيه قوة الذكر والفكر، ومنه منشأ الأعصاب التي هي معدن الحس والحركة وسلامتها تكون سلامة الأعضاء، والتوصل بكل شيء منها إلى ما خلق له.

فإن تيسر ذلك فإنما هو نعمة جليلة، وفائدة عظيمة.

فلا أقل من أن نعرف قدرها بالحمد لله عز وجل.

وفيه مع ذلك اعتراف له بالخلق والتدبير وإضافة ما يقدر منه إليه، لا إلى الطباع كما يقوله الملحدون.

فكان مما تحق المحافظة عليه هذا المعنى.

وإذا عطس فحمد الله عز وجل، فإن اتبع ذلك، الصلاة على المصطفى - صلى الله عليه وسلّم - فحسن.

لأنه لم يعلم سنة الحمد عند العطاس إلا من جهته وعلى لسانه.

فإن قضى حقه في ذلك الموضع بالصلاة عليه كان ذلك أحسن، وأولى به من أن يغفل عنه.

وإذا حمد العاطس ربه - عز وجل - كان تشميته أن يقال: يرحمك الله.

فإذا قيل له ذلك، فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه كان إذا عطس، فقيل له: يرحمك الله قال: يهديكم الله.

وجاء: يهديكم الله ويصلح بالكم.

وجاء أنه أمر العاطس والمشمت بما قلنا.

وقيل: إنما قال ذلك ليهودي فأسلم، فما قيل بعد ذلك.

وجاء عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: يغفر الله لك أو لكم.

وتقدير العاطس، إذا شمت كتقدير من دخل مجلس رجل فسلم عليه.

فكما أنه يؤمن السلام عليه فكذلك المشمت يؤمن بأن يجيب عن التشميت بمثله.

فإن قيل: فإن رد السلام سلام، فلم لا كان جواب التشميت كالتشميت؟

قيل: لأن السلام كلام الإيمان وجواب الإيمان إيمان.

وتشميت العاطس دعاء له، ومن دعا له بدعاء فأجاب، لم يؤخذ عليه أن يدعو بنفس ما دعي له به.

وإنما كان دعاء التشميت ما ذكروا، كان أنواع البلاء والآفات كلها مؤخذات يؤاخذه الله تعالى بها عباده.

وإنما تكون المؤاخذة بالذنوب.

فإذا حطت مغفورة، وأدركت العبد رحمة الله تعالى، لم تقع المؤاخدة، فلهذا قيل للعاطس: يرحمك الله، أو يغفر الله لك.

أي جعل ذلك لك لقدوم السلامة والصحة لك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت