فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 1140

فصل: إن سأل سائل: عن وجه إنزال عيسى صلوات الله عليه لقتل الدجال دون نصرة المؤمنين الذين يكرمونه يومئذ عليه، فيكونوا هم الذين يقتلونه؟

قيل له: يحتمل أن يكون ذلك لأن اليهود همت بقتل المسيح عليه السلام وصلبه.

وجرى أمرهم معه على ما بينه الله تعالى في كتابه، وهم أبدًا يدعون أنهم قتلوه، وينسبونه إلى السحر وغيره، إلى ما كان الله تعالى يراه، ونزهه منه.

وقد ضرب الله تعالى عليهم الذلة، فلم تقم منذ أعز الله تعالى الإسلام وأظهره راية، ولا كان لهم في بقعة من بقاع الأرض سلطان ولا قوة ولا شوكة.

ولا يزالون كذلك إلى أن تقرب الساعة فيظهر الدجال، وهو أسحر المسيح، ويتابعه اليهود فيكونون يومئذ حيرة مقديرين أنهم ينتقمون به من المسلمين، فإذا صار أمرهم إلى هذا أنزل الله تعالى المسيح عليه السلام إلى عندهم قتلوه، وأبرزه لهم ولغيرهم من الموافقين والمخالفين حيًا، ونصره على رأسهم وكبيرهم المدعي الربوبية فيقتله، ويهزم جنده حتى إذا فرغ منه اتبع بمن معه من اليهود المؤمنين اليهود فلا يجدون مهربًا وإن توارى أحد منهم بشجرة أو مدرة أو حجر أو جدار ناداه:

يا روح الله ها هنا يهودي حتى يوقف عليه، فإما أن يسلم وإما أن يقتل.

فكذلك كل كافر من كل صنف فلا يبقى على وجه الأرض كافر ويدرك المسيح صلوات الله عليه من أعداؤه، عندما رفعوا رؤوسهم وظنوا أن الأمر قد عاد إليهم تارة، ويشفي الله تعالى منهم صدره ويذيقهم ما هموا أن يذيقوه، وظنوا أنهم فعلوه.

ويظهر للمسلمين أن ما بلغهم نبيهم - صلى الله عليه وسلّم - من أمره عن الله تعالى كان حقًا كما عرفوه واعتقدوه، فيقع العلم به عيانًا، ويصير ذلك دلالة باهرة على موته، بعدما قبضه الله تعالى إلى كرامته والله أعلم.

ووجه آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون إنزال عيسى صلوات الله عليه وسلم لا لقتال الدجال، ولكنه لدنو أجله، لأنه رفع إلى السماء فبقي فيها ما أراد الله تعالى، إلا أنه قد جعل له أجلًا إذا جاء أدركه الموت ما يدرك أمثاله، ثم لا ينبغي للخوف من التراب أن يموت في السماء ولكن أمره يجري على ما قال الله تعالى: ليقره في الأرض مدة يراه فيها من يقرب منه ويسمع من تاب عنه، ثم يقبضه الله تعالى بتولي المؤمنين أمره، ويصلون عليه، ويدفن حيث دفن بقية الأنبياء الذين أمهم مريم من نسلهم، أعني الأرض المقدسة فينشر إذا نشر معهم.

هذا سبب إنزاله غير أنه يتفق في تلك الأيام من بلوغ الدجال باب الدماء قد وردت به الأخبار، فإذا اتفق ذلك، كان الدجال قد بلغ من فتنته أن ادعى الربوبية، والمؤمنون قلة لم يكن أحد لينتصب لقتاله ويتوجه نحوه لخوف منه، ولا أحد بأن يظفر عليه، ويجري قتله على يده أولى منه، إذ كان ممن اصطفاه الله تعالى لرسالته، وأنزل عليه كتابه، وجعله آية، وأنه فعل هذا الوجه ليكون هذا الأمر لا أنه ينزل لقتال الدجال قصدًا، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت