فهرس الكتاب

الصفحة 778 من 1140

الثامن والعشرون من شعب الإيمان

وهو باب في الثبات للعدو وترك الفرار من الزحف

قال الله عز وجل: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} .

وقال: {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} .

وجملة القول في هذا أن الزحفين إذا التقيا من المسلمين والمشركين، فاقتتلا وقتل الكثير فإن كان المشركون في العدد مثلهم أو مثليهم فحرام عليهم أن يفروا، ويتركوا مواقعهم مولين ظهورهم إلا أن يكون وراءهم فئة، يريدون أن يتحيزوا إليهم، فيقووا بهم، ثم يكروا على العدو، ويكون انفراكهم بمكيدة من مكائد الخوف، نحو أن يوهموا أنهم قد انهزموا، ليتفرق العدو، فينصرف بعضهم ويقيم بعض، ويتبعهم بعضهم، فعسى أن يصيبوا من التابعين لهم ما يريدون.

أو يمكنهم كرة على الواقفين في مواضعهم ونكاية فيهم.

فإذا كان الرجوع لواحد من هذين فهو جائز، وإن كان على وجه الفرار فهو من الكبائر.

وأما إذا كان الرجوع للعدو أكثر من مثلي المسلمين أن تبينوا لهم ما أطاقوا فإذا عجزوا وخافوا الاصطدام، فلهم أن يهربوا.

والأصل في هذا قول الله عز وجل: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .

فأما معنى هذه الآية أن هذا الوعيد على من فر من مثله أو مثليه لأنه نزال اسمه، كان فرض على المسلمين أن يثبتوا لعشرة أمثالهم، فقال: {ياأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} ، ثم نسخ هذا برأفته لعباده فقال: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ} .

ففرض الثبات للمثل والمثلين، ولم يزد على ذلك.

فعلمنا أن الوعيد المذكور في تلك الآية على الفار من المسلمين، فأما الفار من الامتثال فلا وعيد عليه والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت