وأيضًا فإن واحدًا من الإسلام أو الكفر لا يقع باليد، ويقع بالقلب واللسان كانت يدًا أو لم تكن، فإن جاز أن تدخل الجنة يد كانت، إلا أن الإسلام لم يقع بها، وإن وقع بغيرها جاز أن تدخلها يد لم تكن عند الكفر أصلًا أو وقع الكفر بغيرها والله أعلم.
وأيضًا فإن اليد المقطوعة من جملة البدن الذي كان حيًا في هذه الدار، فلا يخلو من أن تعاد الحياة إليها في الآخرة، ومعلوم أن حياتها في هذه الدار كانت لحياة الجملة، تدل ذلك على أنها في الآخرة تكون حية بحياة الجملة، لأن الله - عز وجل - قال: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} ثم يكون فرح الإسلام بردها إليه من جملة ثوابه، وردها أيضًا إلى الكافر مما يتغلظ به عذابه، لأن ألم ما يمس اليد من النار زيادة ألم يصيبه، وقد جاء في الحديث: «إن ضرس الكافر في النار مثل أحد» فهذا دون ذلك وأقرب منه وبالله التوفيق.
فصل: وسأل سائل عن قوله عز وجل: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} وعما ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم: «إن الحماء تفيض من القرناء» ، وقال قد جعل الله بهيمة الأنعام وكثيرًا من الوحوش طعمه للناس، أفرأيتم ما أكل من لحومها أيعاد إليها يوم القيامة للحشر أو لا يعاد؟
فإن أعيدت فما حال الأبدان التي أعيدت تلك اللحوم، إنقرض منها غيرها أو لا، فإن عوضت، فكيف يجوز أن تصل لذة الثواب وألم العقاب إلى غير ما اكتسبت الطاعة والمعصية من البدن، وإن لم يعرض أوجب ذلك أن يكون ابن خمس سنين إذا إغتذى اللحوم حتى كبر وصار ابن خمسين سنة، فيرع منه تلك اللحم كلها، وردت إلى مواضعها إن تصير كإبن خمسين سنة، ولذلك تدخل الجنة أو النار!
فإن قلتم: لا تعاد إلى الحيوانات لحومها التي أكلتها النار، فكيف تحشر ولا لحم لها ولا دم ولا نفس ولا مخ، وإنما تكون لها الحياة دون هذه الأشياء.
فالجواب: ـ وبالله التوفيق: أنه إذا كان لها هناك تعويض فتتعوض الحيوانات من لحومها ولحومًا غيرها، أشبه بأن ترد لحومًا إليها، ويعوض الناس منها غيرها، لأن ما نما من أبدان الناس بتلك اللحوم، فقد صار من جملة أبدان مكلفة أحسنت وأساءت، فصارت بذلك مستحقة الثواب والعقاب، فلا ينزع عنها، وتعاد إلى البهائم فيكون بدن الإنسان قد قلب بهيمة، وعوض منه عوضًا لاحظ له في طاعته ولا معصية، فيخرج من ذلك من أن يجزى أو بشر مع ما في ذلك من مخ المنجس في دار الجزاء، وإنما المسخ من سخط الله وعقوبته وخزيه، فكيف يجوز أن تكون عاقبة الذي آمن وعمل صالحًا إذا ورد يوم القيامة أن يمسخ؟