قيل له: لم يبلغنا من أمر الصراط، وأن المؤمنين إذا جازوا عليه يرفع أو يترك إلى أن يجوز عليه آخر من يبقي منهم، خبر، وقد يحتمل أن يكون باقيًا مادام من المؤمنين أحد يعرض الجواز عليه، وإن أزيل عن مكانه، فقد يحتمل أن يرفع من يعفوا الله عنه إلى السور الذي فيه الأعراف، وذلك بأن يصعد به ملك إليه، أو يجعل الله تعالى له سببًا ما شاء بمن يعجزه الإجتياز فيرتقي من قبله إلى السور ثم ينزل منه كما ينزل أصحاب الأعراف وإذا أمر بهم إلى الجنة فيصيروا إليها والله أعلم.
فصل: إن سأل سائل عن قول الله عز وجل: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِيمَانًا وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} .
وقال: تفسير هذه الآية وتأويلها؟
قيل له: إنما قال عز وجل: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} التي هي إحدى دركات النار فإنه قال تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} فلا يمكن أن يقطع بأن ملائكة العذاب كلهم تسعة عشر إذ الدركات سبع وقد يمكن أن يكون كل واحد من هذا مثل هذه العدة أو أكثر.
فأما قوله: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً} فإنه يقال أن أبا جهل لما سمع عليها تسعة عشر هوى وقال لقريش أنا أكفيكم عشرة واكفوني تسعة فأنزل الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً} أي التسعة عشر ليسوا بني آدم فيقاوم أمثالهم أو يقاوم الواحد عشرة منهم، وإنما هم ملائكة غلاظ شداد ينقلون المدائن، وينزلون من السماء إلى الأرض، ثم يرجعون إليها من نومهم، وقال: من قال لا يقاس الملائكة بالحدادين أي بالنحاسين من بني آدم إنكار المبالغة عن أبي جهل.
وأما قوله - عز وجل - {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ} أي وما جعلنا أخبارك بعد أصحاب سقر إلا فتنة للذين كفروا، وقوله: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِيمَانًا وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} .