فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 1140

والآخر: أن الحجة التي قطعت هي أن لا يفرقوا إنا كنا ركب سهو وغفلة، وسلط علينا الهوى، ووضعت فينا الشهوات.

فلو أمدونا بما إذا سهرنا نهينا، وإذا مال بنا الهوى إلى وجه قومنا لما كانت منا إلا طاعة، ولكن لما خلينا ونفوسنا، ووكلنا إليها وكانت أموالنا مما ذكرنا، غلبت الأهواء علينا ولم نملك قهرها، فكانت المعاصي منا لذلك.

والثالث: أن الحجة التي قطعت هي أن لا يقولوا: قد كان في عقولنا حسن الإيمان والصدق والعدل وشكر النعم، وقبح الكفر والكذب والظلم، ولكن لم يكن فيها إن ما ترك الحسن إلى القبيح عذب بالنار خالدًا مخلدًا فيها، وإن من ترك القبيح إلى الحسن أثيب الجنة خالدًا فيها، لأنه إذا كان يدرك بالعقل أن الله جل جلاله خلقًا هو الجنة وخلقًا هو النار الفانية.

كيف يدرك أن أحدهما معد للعصاة، هوالنار الفانية.

كيف يدرك أن أحدهما معد للعصاة، والآخر لأهل الطاعة، ولو أنا نعذب على المعاصي وذنوب متناهية عذابًا غير متناهي، أوسار بالطاعة المتناهية، وأما غير منتاهي لما كان منا إلا الطاعة، ولم يكن منا بحال معصية، فقطع الله تبارك هذه الحجج كلها نبعث الرسل وبالله التوفيق.

فصل: ثم إذا بأملنا ما في السماء والأرض من أصناف الخلائق، وجدنا في وقوع ما وقع لنابه من العلم ما يدل على الرسل، كما وجدنا فيها أنفسنا وتصاريف أحوالها ما يدل على الباري جل ثناؤه.

وذلك أنا نعلم أن الكواكب التي نراها بأبصارنا، لا يمكن الوقوف بالنظر إليها على أن منها بروجًا، وكل برج إنما يتم بكذا وكذا كوكبه منها وأنها أثنا عشر، لا أقل منها ولا أكثر.

وأن منها كواكب ثابتة وعددها كذا، منها سيارة وعددها كذا، وإن مقادير أجرامها كذا وكذا، وإن أبعادها كذا وكذا، وإن لكل نجم من النجوم السيارة فلكًا على الإنفراد.

فإن عقل عاقل منها إذا لم يسمع بشيء ما يقوله أهل العلم بهبة السماء، والكواكب في هذه الأبواب.

ثم أعمل فكره في إدراك عملها، وعلم شيء منها لم يزد منه إلا بعدًا، ولم يصل إليه أبدًا أبدًا، إلا أن يسمع فيه من عالم شيئًا ويستدل أصلًا، فعسى أن يتبع بعد الآن، ينبيء خبره ويتدرج منه إلى ما سواه.

فدل ذلك على أن الأوائل لم تقل جميع ما قالته في هذه الأبواب بازائها من قبل أنفسها، وإنما أدركت الأصول حينًا، ثم قاست بعقولها عليه غيره.

واستنبط بها ما سواه.

وهكذا الأرض لا يمكن أن يعلم ما فيها، فيميز ما يكون قوتًا تقوم به الأبدان، وما يكون دواء وما يكون سمًا، وما يختص بدفع ضرر السموم كالهادر، وما يختص يجبر الكسر كالمومباي، ثم يميز من الأدوية ما يصلح منها لشيء بعينه، وما يصلح منها بخلافه، ومقدار ما ينبغي أن يتداوى به من كل جزء فيصاب نفعه، ويؤمن ضرورة إلا يجبر فإن أغفل عاقل منا لو لم يسمع في هذه الأبواب من أهل العلم بها من أهل العلم بها شيئًا، ثم أراد أن يهجم عليها بعقله ويدرك منها ما أدركه البصر بمجرد فهمه لما إتسع لذلك ولا قدر عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت