فصل: وإذا ثبت التحاق معاني هذه الأسماء التي عددتها بالعقائد الخمس التي وصفتها، وثبت انضمام شهادة أن لا إله إلا الله إياها، ثبت أنها تنظم معنى هذه الأسماء التابعة لها ويشتمل عليها كلها، فحصلت أجمع الأفكار وأسناها وأفخمها وأعلاها وأولاها بأن يتقرب إلى الله تعالى ويؤدي شكر ما علم من البيان بإدامة ذكرها واستعمال اللسان ما أمكن بها، وحق لها أن تدعى كلمة التقوى كما دعاها الله، ويعصم الدماء والأموال والأعراض بها، ويدخل الجنة من كانت آخر كلامه، وتزحزح عن النار من قالها مخلصًا من قلبه، كما أخبر - صلى الله عليه وسلّم - به، فالحمد لله الذي هدانا وإياه يستودعها ليحفظها علينا ويؤديها بفضله إلينا أحوج ما يكون لها وينفعنا بها إنه ولي ذلك والقادر عليه.
فصل: وما يتبع الإيمان بالله جل ثناؤه التفكر في إثبات الله - تعالى جده - للاستدلال بها على إثباته ووحدانيته وقدسه وعظمته ووجوب طاعته، فإن في أخطار ذلك بالقلب تأكيدًا للإيمان وتثبيتًا للقلب، والإطراء له، ودفعًا لخطوات الباطل عنه، والتفكير في وعد الله ووعيده لينتهي إلى ما وعد به الثواب ويبقى ما أوعد عليه بالعقاب.
قال الله عز وجل: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} .
وقال: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فأخبر - عز وجل - أن في خلق السماوات والأرض وغيرهما آيات، وأمرنا بالنظر فيهما، والمنظر فيها تدبرها ليوقف منها على ما هي إثبات له ودلالات عليه، من أن لنا فاعلًا حيًا عالمًا قادرًا حكيمًا، إذ كانت آثار الصنعة لازمه لها، والصنع يقتضي صانعًا فلا يتعذر منه الصنع حتى يكون عالمًا به قبل أن يصنعه، قادرًا عليه، ولا يأتي منه متقنًا شيء حتى يكون مع علمه وقدرته حكيمًا، ولا تجتمع القدرة والعلم والحكمة في فاعل إلا وأن يكون حيًا يريد ويختار، فيأتي الفعل منه على ما يريد.
فإن قال قائل: ومن لكم بأن أثر الصنعة موجود في السماوات والأرض.
قيل له: إن السماء جسم محدود متناه، والمحدود والمتناهي لا يجوز أن يكون قديمًا! لأن القديم هو الموجود الذي لا سبب لوجوده، وما لا سبب لوجوده.