الحادي والعشرون من شعب الإيمان
وهو باب في الصلاة
وليس في العبادات بعد الإيمان الدافع للكفر عبادة، سماها الله عز وجل، إيمانًا، وسمى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - تركها كفرًا إلا الصلاة.
فإن الله - عز وجل - لما حول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وأهم المسلمين أمر الصلاة التي صلوها إلى بيت المقدس، أنزل قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} .
يعني تلك الصلوات.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «بيننا وبينكم الصلاة، من تركها فقد كفر» .
ودلت الدلائل وراء ذلك على أنها أعظم العبادات قدرًا وأعظمها حكمًا.
فمنها، أنها تكرير الإيمان من وجوه:
أحدها: أنه لا بد فيها من الشهادتين اللتين بهما ظاهر الإيمان، ولا تصلح الصلاة إلا بهما، على أنهما يتكرران في بعض الصلوات نقلًا مرة وتمرنًا أخرى، ولا تكرار لهما في صلب الإيمان.
ومنها: أن لا ينعقد إلا بتسمية الله تعالى، وهو أن يقال: الله أكبر، كما لا ينعقد الإيمان إلا بتسمية الله توحيده، وهو أن يقال: لا إله إلا الله، وتتعلق صحتها بقراءة القرآن الذي هو حجة الرسول - صلى الله عليه وسلّم - ومعجزته فتقوم مقام الشهادة بنبوته ورسالته في صلب الإيمان.
ومنها: أن أفعالها أفعال متعينة للتعظيم في العادات كالقيام والركوع والسجود والجثو على الركب، تدل من الفاعل على أنه يزيد بها معظمًا يقصده بقلبه ثم تتعلق صحة ذلك التوجه نحو جهة مخصوصة لا يتعلق التعظيم في العادات بهما.
إلا أن الرسول المعظم المقصود هدى إليها وأمر بها، فتقوم تلك الأفعال مقام الشهادة بالله وبوحدانيته.
ويقوم التوجه نحو الجهة المخصوصة بقول النبي - صلى الله عليه وسلّم - مقام الشهادة بنبوته.
فتصير الصلاة من هذه الأوجه الثلاثة كالإيمان المطلق، ويجب لها بذلك أن تكون أعظم العبادات قدرًا، وأسناها منزلة.
ويؤكد ما قلنا أن اسم الصلاة في اللسان موضوع للتعظيم، لأن الصلاة شرط التطهير.
فإذا قيل: صلي قائمًا، يراد حنى صلبه لفلان قائمًا، يراد تواضع له بأن حنى له صلبه فسميت هذه العبادة صلاة، لأنه لا جهة من جهات التعظيم من حني الصلب وغيره، إلا وقد اجتمعت فيها.
فإن الواحد من الناس إذا دخل على معظم منهم وأراد توقيره والتواضع له لم يحز من وجوده: إما أن يمثل بين يديه، وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها قيامًا، أو يتخفى لوجهه إذا رآه، وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها ركوعًا أو يجثو له على وجهه، وهذا في الصلاة موجود، لأن فيها سجودًا أو يجثو بين يديه وعلى ركبتيه، وهذا في الصلاة موجود، لأن فيها قعودًا.
أو يثني عليه ويمدحه ويدعوه بأسمائه الشريفة الكريمة عنده ليظهر له أنه غير مستغن عنه.
وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها أذكاء وثناء، أو يتصاغر له برفع حوائجه إليه، ويظهر له أنه غير مستغن عنه، وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها دعاء، وأفضل الدعاء ما كان في الصلاة أو يتقرب إليه بقراءة كتابه وعهده وولوعه به وصرف الهمم إلى تحفظه، وهذا في الصلاة موجود لأن فيها قراءة القرآن أو تعظيمه بأن يلزم قصده ولا يعرض عنه، ولا يلتوي ولا يلتفت.
وهذا في الصلاة موجود، لأن المصلي يلزم قصد الجهة التي ولاه الله إليها ولا يلتفت، أو تعظيمه بأن لا يكلم أحدًا سواه بين يديه، ولا يشتغل إلا به.
وهذا في الصلاة موجود لأن كلام الناس فيها محظور ممنوع.
ويتقرب إليه بأن لا يراه إلا وهو متطهر متنظف لابس، ولا يعص منه بأن يتقدم إليه على أي حال كانت مستفتحة أو مستحسنة.
وهذا في الصلاة موجود لأن من شرطها الطهارة وستر العورة.