فهرس الكتاب

الصفحة 779 من 1140

وإذا كان الفار غير مملوك وهو ممن وقع منه كبيرة، روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة إشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار يوم الزحف في سبيل الله، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة وتعلم السحر والربا، وأكل مال اليتيم».

وعنه - صلى الله عليه وسلّم: «لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا وأكثروا ذكر الله.

وإن جلبوا وضجوا فعليكم بالصمت».

وعنه - صلى الله عليه وسلّم: «من قال: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، ثلاثًا غفرت له الذنوب، وإن كان فارًا من الزحف» .

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في غزاة، فلقينا العدو، فخاض الناس خيفة، فانهزمنا.

فقلنا: نهزم في الأرض، فلا نأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - حياء مما صنعنا.

ثم قلنا: لو أتينا المدينة فاشترينا منها وتجهزنا.

فلما أتينا المدينة قلنا: لو عرضنا أنفسنا على النبي - صلى الله عليه وسلّم - .

فلما خرج عند صلاة الفجر، قمنا بقال من القوم، قلنا: يا رسول الله، نحن الفارون: قال: «بل أنتم الفكارون رأيًا في كل مسلم» .

والفكار: الكرار.

فقد يخرج هذا على أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - كان إذا حضر القتال لم يجز لهم أن يغزوا إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة بعيدة.

فأما أن يكون لها، مسلمين للنبي - صلى الله عليه وسلّم - ومخلين بينه وبين العدو تلاق، وأما إذا بعث سرية وجلس بالمدينة فصلى، كان لهم إذا خافوا على أنفسهم من مثليهم أن ينحازوا إلى المدينة على أن يستمدوا النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، فإن أمدهم وأمرهم بالعود عادوا، فأما أن ينجوا برؤوسهم ويقعدوا في بيوتهم فلا.

فلما أعلم تلك الطائفة النبي - صلى الله عليه وسلّم - بحالها، قبل أن تقر في بيوتها، ومن غير أن يحقن على انسحابها، أخرجها ذلك من حكم الفرار والله أعلم.

وفي هذا دليل على أنها أرادت الانحياز إلى فئة، فسواء كانت الفئة قريبة أو بعيدة، وسواء وجدوا من يعينهم في بعض الحصون أو القرى، أو كانوا لا يجدون عونًا إلى أن يأتوا مصرًا من الأمصار ويبلغوا حضرة واليهم والله أعلم.

فإن قيل: وما المعنى في إيجاب الثبات للمثلين، منصورون مؤيدون من قبل الله تعالى، والمشركون مخذولون، فإذا تساوى الفريقان في العدد، ولم يتكافآ في القوة، فجعل الإثنان من المشركين، كالواحد من المسلمين كما جعل المرأتان في الشهادات بمنزلة الرجل، لضعف رأيها وقصور حالها عن حال الرجل والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت