فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 1140

فالجواب: إن معنى الآية ما أصابك من شيء فسرك من صحة بدن وظفر بعد، ووسعة رزق ونحو ذلك، فالله متبديك بالإحسان به إليك، وما أصابك من سوء يسؤك، وتعمل فتكسب يدك، لكن الله تعالى مع ذلك سابقة إليك، والقاضي به عليك، كما قال في أخرى: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} .

ويدل على صحة هذا أنه - عز وجل - قال في هذا السورة: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَا لِهَؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} .

ثم قال بعد هذا بلا تصل {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} .

فكان الذي توجبه مجموع الآيات الثلاث التي ذكرتها: إن ما أصابك من حسنة من الحسنات التي تقدم ذكرها، فالله موليها ومبتدئ للإنعام بها، وما أصابك من خلافها فالله قاضيها وقادرها أيضًا، لكنها جزاء لمن أصابه ذلك بكسب حياة على نفسه، فكأنه هو الفاعل بها بمكان نفسه كما أن قتل قتيل كأنما قتل نفسه، إن كان ولي قتيله هو الذي يقتله والله أعلم.

وأما قول الله - عز وجل - {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} .

فليس على معنى يوجب أن يكون القدر هو القدرة والتقدير.

ومعناه إنا كل شيء خلقناه بحسب ما قدرناه قبل أن نخلقه إذ كان علمنا به سابقًا له، فأثبتنا منه، فأعلمناه في أم الكتاب وبينا ما هو كائن منه قبل أن يكون.

فإذا كان بحسب ذلك الذي قدرناه وفي الوقت الذي قدرناه، فالقدر هو المقدور، وكما ذكرنا في صدر الكتاب وبالله التوفيق.

وجاء في ذكر ما نزلت فيه هذه الآية: إن قومًا من اليهود جاءوا يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في القدر، فنزلت: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} .

وروى في التغليظ عن من قال (لا قدر) وإن أحد الذين هم أشد الناس عذابًا فكذب بالقدر أخبار.

وذكر أبو بكر الجلاد البصري عن المزني رضي الله عنه أنه قال: سألت الشافعي رضي الله عنه عن القدرية فقال: هم الذين يقولون إن الله يعلم الذي يكون.

ومعنى تسمية هؤلاء قدرية، إن الله - عز وجل - قال في كتابه: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} .

فمن بغي أن يعلم الله قبل كونه.

بغي أن يكون الله تعالى كتاب أثبت فيه ما هو كائن قبل أن يكون، وبين فيه أنه كيف يكون ومتى يكون، وأبطل أن يكون الله تعالى قدر قدر المقادير، ودبر بعلمه الأمور، والحقة في العجز بعباده الذي لا يعلمون الشيء حتى يكون، فقيل لهم قدرية لأن بدعتهم وضلالتهم كانت من قبل ما قالوه في القدر، ثم على ذلك كفار، لأن من عجز الله تعالى وجهله لم يكن عارفًا به وبالله المعصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت