فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 1140

وإذ قد كتبنا في تفسير اسم القدر فأعلمنا أنه محتاج إليه، فلنرجع إلى الكشف عن عرض هذا الكتاب، والمقصود به بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «القدر خيره وشره من الله وحلوه ومره من الله» .

فنقول ـ وبالله التوفيق ـ إن المراد بهذا إيجاب الإستسلام لا قضية الله تعالى وإقراره بالقلب واللسان معًا لهما بالقلب، فإن لا ينظر أحد ولا يتأثر مما يجري به القضاء بما يوافقه، ولا يأنف ولا يجري لما يأتي به القضاء مما لا يوافقه.

وأما اللسان، فهو إن لا يفتخر على غيره بسبب ذلك إلى سبب يكون مرجعه إلى نفسه، ولا يضجر مما يسوء فعل من يشكو أحدًا وينسبه إلى ظلم أصابه من قبله، لكن نضيف الأمرين إلى الله تعالى وننسبها قضائه وقدره ونذعن ونستسلم لما يكرهه، ويحمد الله تعالى على ما يسره.

ومنزلة هذا الباب مما كتبت في باب الإيمان بالله جل ثناؤه والاعتراف له كمنزلة التزام طاعة الله وطاعة رسوله والقبول لما خاطبه به في كتابه من آيات الباري جل ثناؤه والاعتراف له بالخلق والإبداع، فإن الإقرار له وبالخلق كما يقتضي وجوب الطاعة له في أوامره ونواهيه، فكذلك الإقرار له بالتدبير يقتضي الإستجداء له والإستسلام لتدبيره، فلا ينسخط منه ما يثقل على الطبائع ولا يستشعر لما يحل عليه أشرًا ولا بطرًا.

قال الله عز وجل: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ} .

ومعلوم أن الخزن على ما يفوت والفرح بما يأتي موضوع في التنبيه والتجلي، وإن التجلِّي بالحزن بما يفوت أصلًا إستحقاق له موجودًا ومعدومًا، والتجلي من الفرح بما يسر ويأتي إزدراء له وقلة حفل به أيضًا، وهما جميعًا غير مرضيين.

فثبت أن المراد بالحزن في الآية حزن السخط والتضجر وبالفرح فرح التبذخ والتكبر والله أعلم.

وقال - عز وجل - حكاية عن قارون أنه لما قيل له: {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} .

قال {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} ثم عليه قوله، وأخبر بإستحقاقه الأذى والعقوبة، فقال: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت