فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 1140

فدل ذلك على أن من أبصر لنفسه حالًا يحبها ويرضاها، فرأى أنها إنما دأبت له بقوة نفسه كان في ذلك مخالفة شرط إيمانه مباينًا لما يجب من حق الله عليه، وقوله: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} يحتمل أنه أراد به علم كنوز المتقدمين وقع إليه فأستخرجها فاستولى عليها.

ويحتمل أنه أراد به علم الصنعة، وأنه كان من أحدق الناس بها وأبهرهم فيها، وإن تلك الكنوز لما إجتمعت له من هذا الوجه، وأيامًا كان من هذين فإن الله - عز وجل - أخبر عنه: أنه فرح لما رأى لنفسه من الأحوال، فقال له قومه: {لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} والمعنى أنه إختال وإفتخر وإستطال ونكر كما قال - عز وجل - في آية أخرى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} .

وإنهم سألوه أن يحسن إلى الناس فيواسيهم ويأخذ بأيديهم فقال لهم: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} .

وظاهر هذا أنه عارض بهذا الجواب قولهم: وأحسن كما أحسن الله إليك، أي ليس هذا مما لا يأتي به من غير كدح كان لي فيه، ولكنه قال توصلت إليه بعلم كان عندي، أي أنه فائدة رأيي وتدبيري، فلا يلزمني أن أواسي به غيري شكر الله تعالى به.

ثم أنه خرج على قومه في زينته كما يخرج ذو العظيمة والمال الجم القوي متعظمًا بها على قومه، فأنكر الله ذلك عليه وعاجل أخذه بطغيانه وإضافته المال إلى حوله وقوته، وخسف به وبداره كان فيها من كنوز الأرض ولم يورثها موسى صلى الله عليه وسلم وقومه إذ كانت مشؤومة أطغت قارون وأضلته وحملته على ترك الانقياد لموسى والإيمان به واتباع سبيله، فكان يظن الأرض أولى بها من ظهرها.

ألا ترى أن الحلي الذي جمعه السامري فاتخذ منه العجل وأضل به بني إسرائيل لم يدبه موسى ولم يردوه إلى الذين أخذ منهم، ولكنه حرقه ثم ألقاه في اليم.

كذلك كنوز قارون لما كانت كما ذكرنا سحقت وأبطلت، ولم يمكن منها أحد من المؤمنين وبالله التوفيق.

وقد يحتمل أن كانت الكنوز إجتمعت له بعلم الصنعة، أن يكون لله تعالى خسف بها لأنها كانت معمولة لم يكن ذهبها ذهبًا، ولا ورقتها ورقًا، فلم ير منها لله تعالى لنبيه موسى صلوات الله عليه ولا للمؤمنين من قومه، ولو كانت خالصة نقية لا شبه أن يورثها إياه، كما أورثه وقومه أموال فرعون وقومه حيث يقول: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} .

{كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} .

وفي آية أخرى: {وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت