فأما إنكاره على إبلاغ ذلك، فليس إليه.
ألا ترى أنه لو كان لا يقدر على الحفظ، ولم يكن عنده ما يكتب فيه، أو لا يحسن أن يكتب لم يلزمه أن يكتب له بغير عوض وكذلك لا يلزمه أن يكرر عليه ما روي عودًا على بدء، وليحفظ فيمكنه أن يؤديه إلى غيره بغير عوض والله أعلم.
وإذا استملى العالم الحديث فعليه إملاءه، وإن كان ما رواه وسمع منه ثم استعيده إملاء، فعلى ما وصفت والله أعلم.
وإذا حضر ليسمع منه الحديث، فأذن في القراءة عليه فقالوا: نريد لفظًا كان به أن لا يتكلف القراءة بنفسه إلا بعوض.
وإنما يحرم عليه إذا لم يخرج ما عنده، فيقرأ أو يقرأ عليه إلا أن يعوض.
فأما إذا أخرجه وأمر بالقراءة عليه فكلف أن يقرأ، فهذا شغل زائد على التبليغ والأداء، فله أن لا يفعله بغير عوض له وإن أعطى لم يجز له أخذه، وإن حضر من يقرأ عليه، إلا أنه أبى أن يقرأ كغيره بلا عوض.
فإذا كان قد سمع عنه ما يريد الآخرون سماعه، كان له أن لا يقرأ، إلا كعوض.
وإن كان قد سمعه من غيره ولم يسمعه منه لو لم يسمعه من أحد فلا عوض عليه، وأن يحدث بالحديث أو الحديثين أو الثلاثة ما زادوا فيه، أما بطول به المخبر منقطع به عن البغي على نفسه وعماله، بان له أن يأخذ على إدمانه الجلوس، وتعريفه نفسه لهم ما يعطونه، ما لم يكن شرفًا، والشرف أن يطالبهم بأكثر مما كان يعود عليه من سمعه، لو لم يجلس لهم والله أعلم.
ومن روى حديثًا سمعه من المروي عنه لفظًا أو جرى عليه فأثر به سواء قال حدثنا فلان، أو قال: أخبرنا والأمثل إذا كان إنما سمع قراءه على من يرى عنه أن يقول: أخبرنا فلان، لأنه لم يقل له ذلك بالحقيقة، ولكنه تأول عليه لأنه قيل حدثك فلان، فقال نعم.
والظاهر أمثل من التأويل وأبعد من التحريف والتبديل، وأن يرى على رجل سماعه من كتابه وهو ساكنه، ولم يقل له هذا كاذبًا، وأن دفع صاحب الحديث إلى رجل كتابًا، فقال حدثني فلان عن فلان بجميع ما في هذا الكتاب على ما فيه وقد رأيته وأثبته، هل للمدفوع أن يرويه عنه.
وهذا كالسماع.
وإن قال أذنت لك أن تروي ما في هذا الكتاب عن فلان، ولم يذكر سماعه من فلان، لم يجز للمدفوع إليه أن يرويه.
وإن قال لك: أن تروي عني كل ما صح عندك من حديثي، فصح عنده شيء من حديثه لم يجز له أن يرويه عنه، لأن جواز الرواية بالسماع لا بإجازة المروي عنه، فإن السماع منه لو صح وقال: لا ترو عني ما سمعت كان له أن يرويه عنه، ولا سماع لمن وصفت فلم يكن له أن يروي عنه.