هذه والعوارض مخوفة والآفات غير مأمونة.
وما يدريه لعله إذا أمسك ماله فقد بان له فيه الاحتياط، انقلب المال وبالًا عليه، فكانت منيته.
ولعله يسرق أو يغصب أو تأكله النار أو الماء.
وإذا كان كل ذلك ممكن لا يعصمه منه إمساكه والشح به، فإن ينظر لنفسه، ويجوز لها حظًا من حمد أو أجر، أولى به من أن يعرضه ويتعرض به للخطر وبالله التوفيق.
هذا وليست فائدة المال إمساكه، إنما فائدته صرفه فيما ينفع مالكه.
ولا يقع أعظم من اكتساب الذكر الجميل والاسم الحسن الحميد، واستحباب الأجر العظيم.
والثواب الكريم.
فمن كان لا يستحقها بالإنفاق فيما يوجب له في العاجل المحمدة، وفي الآجل الجنة وبالله التوفيق.
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما.
قالت: قلت يا رسول الله، إنه ليس لي في بيتي إلا ما أدخل على الزبير، أفأعطي؟ قال: «نعم ولا توكي فيوكأ عليك» .
وقال - صلى الله عليه وسلّم: «السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار.
والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار.
ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل».
وقال - صلى الله عليه وسلّم: «لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا منان» .
فأما البخيل فإنه بخل لمخالفته بما رضى الله تعالى به لنفسه من المعاملة، ويمدح بها، وأوجب على عباده شكره عليها.
وفيه أن الناس كلهم ليسوا بأغنياء ولكن منهم فقراء وأوساطًا.
فإذا شح الغني بماله ضاق الأمر على من ليس له في مثل حاله، وذلك لؤم بالغني وقسوة، ويسوء دخله أن يرى بأخيه المسلم حاجة وهو قادر أن يقضيها له ويبلغ فيها مراده من غير ضرر يرجع عليه، فيتركه مرتبكًا في حاجته، مهتمًا بأمر نفسه لا لغرض يكون له في ذلك، أكثر من الإشفاق على ماله أن ينقص ذلك النقص إذا دفع، لم يبن عليه منه أثر، ولا لحقه لأجله ضرر.
فلما كان هذا في العادات المعقولة كما ذكرنا، وفي الشريعة مخالفًا لما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - من قوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» استحق أن يكون مذمومًا.
وأيضًا فإن البخيل مغرور بماله وهو عند نفسه محتاط.
لأنا قد ذكرنا في الوجه الذي قيل، هذا ما في الجدد من الاحتياط والنظر في الجواد، وحبًا في الإمساك من التغرير.
وكل ما قلنا فيه، فهو من البخيل بخلافه.
وأيضًا فإن المنفق ماله في الشهوات أنفق ولا لوجه الله تصدق فهو المحروم الذي خسر الدنيا والآخرة، ولو عدم المال فقال ذلة العدم لكان خيرًا له من أن يجد فيحرم فائدة الوجد، فيكون المال وبالًا عليه، والنكر حاصلًا له وواصلًا إليه.
ولولا أن ذلك كذلك، لأشبه أن يقول الله عز وجل: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .