وقال: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ * فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} .
وقال: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ} .
وفي هذه الآيات كلها أخبار بوزن أعمال الكفار، لأن غاية المعنيين بقول الله تعالى: {خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} في هذه الآيات هم الكفار.
فإن في إحديهما، {فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} والظلم بآيات الله الاستهزاء بها وترك الإذعان لها.
وفي الثانية: {فأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} .
وفي الثانية: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ} .
فهذا الوعيد بالإطلاق لا يكون للكفار فإذا جمع بينه وبين قوله تعالى: {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} .
إن الكفار يسألون عن كل ما خالفوا فيه الحق من أصل الدين وفروعه، إذ لو لم يسألوا عما وقفوا فيه أصل دينهم من ضروب تعاطيهم ولم يحاسبوا لم يعيدها في الوزن أيضًا، وإذا كانت موزونة في وقت الوزن، دل ذلك على أنهم محاسبون بها وقت الحساب والله أعلم.
ومن قال بالوجه الآخر بقي أن يقول: إنما وصف الله تعالى ميزان الكافر بالخفة، وذلك يقتضي أن يكون له وراء كفره، معاصي توزن معه، لأنه وإن لو يوزن من أعماله إلا الكفر وحده، فليس ذلك بدافع الخفة عن ميزانه، فبطل الإستشهاد بهذه الآيات، على أن فروع كفره موزونة، فأما قوله عز وجل: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} ، فإنما هو في أن اليسير من الطاعة لا يضع لفاعله ليكون قد ظلم.