وفي آيات العدل التي ذكر بعد الفراغ من ذكر الحساب إبانه بالغة عن محاسبة الكفار وهذه الآيات لا اختلاف فيها تناقض لأنها آيات عامة الألفاظ واللفظ العام قد يطلق والمراد به بعض من يشملهم اللفظ إعتمادًا على أصل قد يفرد مما إذا رجع المخاطب إليه وجد فيه دلالة الخصوص فيكون الموجود في تلك الدلالة، اللفظ عام بمنزلة الاستثناء المقترن باللفظ.
وإذا كان هكذا احتمل الجمع بين هذه الآيات من وجهين: أحدهما أن الكفار يحاسبون بالكفر الذي كان طول العمر شعارهم ودثارهم.
وكل دلالة من دلائل الإيمان خالفوها وعاندوها وذهبوا عنها، فإن ينكثوا عنها يسألون عنها ويسألون عن الرسل وتكذيبهم إياهم وذهابهم عن الدلائل الدالة على صدقهم.
فأما تعاطيهم وتصرفهم، فكل شيء أتاه على مما كان ممنوعًا من الملك أو معطلًا وكان قبيحًا في العقول فإنه يسأل أيضًا عنه ويحاسب به.
فأما ما فعله على مما كان مطلقًا في قلبه وغير مطلق في الإسلام فهو إنما يسأل عن ملته التي كان يعتقدها بعد أن تميل عنها، ويسأل عن ذلك الذنب نفسه كما يسأل المسلم عن ذنوبه كلها، لأن سؤال المسلم عن ذنوبه، أن يقال له: إذا كنت مسلمًا وكان الإسلام لا يطلق لك هذه الأعمال، فلم عملتها، وما الذي هون عليك تعاطيها ويبعد أن يقال لمعتقد ملة من الملل، إذا كنت تعتقد ملة كذلك، وكانت الأعمال مما يطلقها لك ملك الملة، فلم عملتها وماالذي هون عليك تعاطيها؟ لأنه يقول: هونها علي أن ملتي كانت توحيها، وتمنعني من خلافها.
ولو قال هذا لكان يقال له: ولم اخترت تلك الملة وقد كان تعالى نسخها ودعاك إلى غيرها.
وبعث بذلك الغير إليك رسولًا، وانزل به كتابًا وأمد ذلك الرسول من الدلائل بكذا وكذا، فبان بهذا أن الرسول لهؤلاء إنما يكون عن كفرهم.
وما أحرموا من الذهاب عن الحق ودلائله لا عن الذنوب، إلا أن تكون الذنوب بالصفة التي ذكرتها وإذا كانت هذه الجملة معقولة وجب أن يرجع إليها في تبين منازل الألفاظ التي وردت بها تلك الآيات، فيقول ـ يعني قول الله عز وجل: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} عن الله ورسله صلوات الله عليهم، وعن الإيمان في الجملة، وهو معنى قوله عز وجل: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} ومعنى: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} ، أي لا يسألون عما فعلوه مما كانت مللهم وتقتضيها وتوجبها لما ذكرت.