فهرس الكتاب

الصفحة 1067 من 1140

وجاء في السلام، عن اليهود أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، وقد دخلوا عليه: السأم عليك، فسمعت ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت: عليكم السامة واللعنة يا إخوان القردة والخنازير.

فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «مهلًا يا عائشة، متى رأيتني فحاشًا فقالت: ألم تسمع هذا، أنهم إذ دخلوا عليك، فقال: ألم تسمعي قلت: عليكم» .

فهذا من رفق النبي - صلى الله عليه وسلّم - وحسن خلقه واحتماله الأذى في ذات الله - عز وجل - بتوفيقه.

فإن سلم يهودي على مسلم فقال له: عليكم السلام أو عليكما السلام أو عليك، فلا شيء عليه إن عرف منه أنه أحسن السلام عليه، وإن لم يكن تحقق سلامه، فقد أساء إلى نفسه من وجهين: أحدهما مخالفة نبيه - صلى الله عليه وسلّم - ومفارقة أذنه، والأخذ بتركه، للاحتياط والنظر إلى نفسه، فإنه لا يدري أن الذي خاطبه كيف دعا، وبماذا دعا له.

وإنما أمرنا أن نقول لليهودي، إذا تحقق سلامه: عليكم السلام.

لأن لذلك وجهًا وهو أن يجزيه بأن يدعو له بالسلامة في ماله وصغار ولده، إن كان حربيًا، أو بالسلامة له في نفسه من آفات الدنيا إن كان ذميًا.

وله أن يدعو له بالسلامة على معنى أن يؤمن فيسلم كما كتب الله تعالى للمؤمنين السلامة منه، ويكون قوله عليكم السلام، كقوله له هداك الله.

ولا ينبغي للمؤمن أن يبدأ كافرًا بالتسليم عليه، لأن التسليم تحية، والتحية تعظيم.

ولا ينبغي للمسلم أن يعظم كافرًا، فإنه بقدر ما يرفعه تعظيمه إياه يضع من نفسه إذ ليس من يعظمه مستحقًا للتعظيم.

وإذا دخل رجل على قوم، فكلمهم ولم يسلم عليهم، فإن وجدوا من إجابته بدًا فينبغي لهم أن لا يجيبوه لأنه استخف بهم بأن منعهم حقهم من السلام الذي سن لهم أن يبدأهم به، فأقل ما يستحقه أن يستخفوا به بأن يمنعوه جواب كلامه.

وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه» وهذا يحتمل وجهين: لا تجيبوه عن كلامه الذي بدأ به.

والآخر لا تجيبوه عن سلامه الذي قدم الكلام عليه.

فيكون هذا إسقاطًا لفرض الرد إذا قدم على السلام كلام من غير جنسه.

فإن كان هذا هو المعنى، فوجهه أن السلام تحية اللقاء، فإذا كان اللقاء وتبعه خطاب بكلام سوى السلام، فقد انقضى وقت السلام.

فإذا وجد بعد، فإنما وجد في غير وقته، فلا يقع موقع التحية، ولا يجب الرد والله أعلم.

فإن عرض له ما يعجله ويدعوه إلى القيام، فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «من كان في مجلس يرجو فيه ـ يعني خيرًا ـ فأعجلته حاجة فقام إليها، فليسلم على القوم، فإنهم شريكه فيما أصابوا من خير بعده، فقام رجل فلم يسلم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: سبحان الله، ما أسرع ما نسي هذا» .

والسلام في هذا الحال ليس بتحية، إنما هو دعاء لهم بالسلامة بعده.

فإن كانت لهم السلامة، فقد أصابوا خيرًا، وكان لأجل دعائه الذي دعا لهم شريكًا لهم في ذلك الخير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت