ومنها معنى سادين، وهو أنه إذا لم يكن للمتحدث بالفاحشة عن غيره غرض صحيح بالتحدث، فلا ضرورة إليه، فإنما ينعته عليه الدغل، ورداءة الطبع وسوء النية، وكل ذلك مذموم.
فكان ما يدعو إليه من الإساءة مذموم.
قال علي رضي الله عنه، وذكر آخر الزمان والفتن، قال: خير أهل ذلك الزمان كل الفوقه أولئك مصابيح الهدى ليسوا بالمسابيح ولا المذابيع البذر والفوقة الحامل والمذياع المسمع بالفواحش عمن يراها فيه، والتشيع لها، والساح الذي يسح في الأرض بالشهر والنميمة، والإفساد بين الناس والبذر جمع الباذر، وهو الذي يبذر الكلام بين الناس.
كما لا ينبغي لأحد أن يهتك ستر غيره من إخوانه المسلمين فأولى به وألزم أن لا يهتك ستر نفسه.
جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «من أتى منكم من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنه من تبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله» .
فأمر كل واحد بالستر على نفسه.
وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - في هذا الحديث، وهو أنه قال: «إياكم والمجاهرة! قيل: وما المجاهرة؟ قال: يبيت أحدكم يذنب ذنبًا قد ستر الله عليه، ثم يصبح فيحدث به الناس، فيخرج سترًا ستره الله عليه» .
وعلة هذا أن من فعل فاحشة ثم تحدث بها، فقد جمع إلى مواقعة الذنب الجرأة عليه، وقلة المبالاة، وذلك أغلظ من أسراره، وإخفائه.
لأن الأسرار لا تكون إلا من الخوف والوجل.
ألا ترى أن جرم المحارب إذا قتل وأخذ المال، أغلظ من جرم القاتل السارق وسمى الله - عز وجل - ذلك محاربة الله ورسوله.
فما جرى مجراه فهو في الغلظ والقبح مثله.
وإذا رأى رجل رجلًا فلا يرى، ولم ير معه غيره، وفيه إذا هتك ستره معنى سابع وهو أنه يعرض نفسه للحد مع معرفته بصدقه.
وهذا القرار منه بنفسه، فلا ينبغي له أن يفعله.
وكذلك إذا رأى أربعة من الفساق الأخلاط رجلًا له امرأة على الزنا الكامل، أو فاسقًا رجلًا يشرب أو يسرق، فيسألهم سئل الواحد.
فأما إذا رأت أربعة من العدول رجلًا وامرأة على زنا كامل.
أو رأى هذان رجلًا يشرب الخمر أو يسرق.
فليس هذا موضع الأمر بالستر لما فيه من تفصيل حدود الله تعالى.
وينبغي لهم أن يشهدوا قيام الحد الذي وجب، فيكون فيه طهارة للحدود، وردع له ولغيره عن مثل فعله، لأن الله - عز وجل - يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} .
فإن قيل: فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «ادرأوا الحدود ما استطعتم» والشهود يستطيعون درأه لئلا يشهدوا! قيل: بل لا يستطيعون ذلك، لأن على الشهود إذا خافوا أن يتأول حق ويضيع، بتركهم إقامة الشهادة، أن يشهدوا ويحيوا الحق.
فصح أنهم لا يستطيعون الدواء بعد ما عاينوا أو عرفوا.
وإنما هذا خطاب للآية في الحد إذا تردد من وجه إقامة، ووجه دفع، ليغلبوا وجه الإقامة.
فأما غيرهم فهم من هذا بمعزل، وبالله التوفيق.