فهرس الكتاب

الصفحة 1096 من 1140

فضرب الأمر بالصبر بالنهي عن أن يقال للشهداء أنهم أموات.

وليس المراد القول وحده لأنهم لو كانوا أمواتًا بالحقيقة لم ينهوا عن أن يسموا بأسمائهم ويوصفوا بأوصافهم ولكن المراد، لا تعلموهم أمواتًا.

أي لا تعتقدوا فيهم أنهم أموات وأنهم أحياء حيث أصارهم الله إليه وأعده لهم.

والمعنى أنهم ليسوا بموتى فلا تجزعوا عليهم كما يجزع على الموتى.

على أن الجزع على الموت ليس مما ينبغي بل الصبر على المصيبة لهم ألزم وأولى، فإن الله مع الصابرين، أن يوفقهم للصبر لينبئهم به خيرًا، من المعاني التي سلبوها بقبض من قبضه من بينهم.

وقد يتموها ما كانت من نفقة كانوا ينفقونها عليهم.

أو معونة في النوائب كانوا يبذلونها، أو أنس وبهجة كانا لهم في لقائهم، أو قوة وكثرة كانتا لهم بمكانهم.

أو علم وتبصرة كانوا يستفيدونها منهم، وانقطعت مادتها عنهم بموتهم، فالله تعالى ينسيهم بما أخذه منهم إذا صبروا ما يجبر كثيرهم ويزيدهم درجات فيما أعد لهم من الكرامة في الجنة، ثم قال - عز وجل - {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ} أي من قبل الأعداء، والجوع أي نبتليكم بالقحط ونقص من الأموال أي الآفات التي تجتاح الأموال وهي كثيرة.

وتحتمل الأنفس الأمراض والأحزان، وما يعرض للناس في اعطائهم وجوارحهم من العمي والصم والتألم وذهاب الأطراف والثمرات.

قيل: أراد بها الثمرات التي هي دون الأقوات، وقيل: أولاد الأولاد.

وأولاد الأولاد بمنزلة الثمرات من وجهين: أحدهما أن الثمرة من زوائد الأصل، فكذلك الولد من زوائد الوالدين.

والآخر أن الثمرة تستأنس بها وتقر العين برؤيته إلى أن يبلغ فتكون منه العوائد المقصودة بابتغائه والله أعلم.

ثم قال عز وجل: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ} .

وأكثر الإشارة في ذلك إلى أن يقولوا في نفوسهم أو يخطروا بقلوبهم.

وإذا كانوا له، كان ما ينسبونه إلى أنفسهم من المال والولد أيضًا لله.

فإن أخذ عنهم شيئًا فإنما أخذ ما كان له، فليس لهم أن يصبوا بذلك درعًا.

فإن المعير إذا استرجع عاريته لم يكن للمستعير أن يتأسف ويحزن {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} أي أنه نازل بهم في أنفسهم ما نزل بمن يهتمون له، فأولى بهم أن يهتموا لأنفسهم، ويقدموا قبلهم ما يفرحون به إذا وردوا عليه.

فإن رجلين لو خرج أحدهما إلى بلد متنقلًا إليه، وأراد الآخر الخروج بعده للانتقال إليه، وهو يعلم أن ذلك نازل، لا يجد القادم فيه إلا ما قدم، فكان اهتمامه لنفسه، وتقديمه إلى ذلك البلد ما يكون معدًا فيه حتى إذا قدم وجده فيه، أولى به عند العقلاء من أن يصرف جميع همه إلى التفكر في مفارقة الآخر إياه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت