والدلائل على الباري جل ثناؤه ووحدانيته وقدسيته قائمة ظاهرة متجلية للعقول.
فإما أن ذلك المعروف المدل يجب اعتقاده، ويقبح أغفاله، ويجب الإقرار به ويقبح كتمانه، فهذا من فرائض الأمر والنهي المسموعين، وليس واحد منهما حسنًا لعينه ولا قبيحًا لعينه.
وكذلك الصدق والكذب والعلم والعدل وشكر المنعم وكفرانه.
ولولا أن هذا هكذا لوجب إذا بلغ الصبي حد من يعقل ويميز، واستدل بأدنى ما يقدر عليه أو بما ينبِّهه عليه غيره، فحدثت له عنه المعرفة، فعرف واعتقد وأخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - إعلامه، ووجد ذلك متتابعًا في الناس فحدثت له المعرفة به واعتقده أن يكون مؤمنًا ثم يلزمه إذا قررت عنده الشرائع العامة المتوارثة، ووقعت له المعرفة بها أن يؤديها، لأن إفادة العقل صاحبه، المعرفة بما يوجبه الأخبار العامة لا يتأخر لأجل أن الصبيان غير مخاطبين، وإذا وقعت المعرفة وجب الاعتقاد، ثم إذا كان المعتقد أمرًا فطاعة الله واجبة بالعقل عندهم.
فينبغي أن يجب التقيد فلا يبقى شيء من الشرائع سوى ما جاءت به الأخبار الخاصة، ألا يلزم الصبي العاقل، وفي هذا بعض الشرع المتفق عليه وإزالته عن سنته، فصح وثبت أن المعول في الفرائض كلها على الأمر، والأمر غير متوجه على الصبي، فلم يكن له بنفسه إيمان ولا كفر والله أعلم.
فإن قيل: لا يلزم ما ذكرت لأن الصبي وإن أفاده عقله: المعرفة بما توجبه الأخبار العامة عن أمر ونهي، فإن تلك الأوامر والنواهي إنما هي على البالغين، فلا يلزم الصبي بتنفيذها، لأن معرفة الواحد فرض على غيره، لا يلزمه تنفيذه بنفسه.
قيل له: أما علمت أن أهل هذا القول يقولون: وكذلك الصبي وإن عرف ربه بعقله، فلا يعرف أن فرضًا عليه توحيده والإيمان به، وإنما يعرف ذلك بالأمر، وهو أن عرف أن أمرًا بذلك واقع من الله تعالى لم يلزمه امتثاله، لأن الأمر للبالغ دونه، وليس عليه بتنفيذ ما أمر به غيره، والإيمان والشرائع في قولهم سواء والله أعلم.
وأيضًا فلو كان في العقل وجوب شيء وحسنه وسقوطه ضده وقبحه، لم يجز أن يتأخر عن الصبي العاقل الخطاب الشرعي، لأن المعرفة بما يخاطب تقع له المعرفة بما تركت في عقله، فإذا صار محجوبًا بموجب العقل وجب أن يصير محجوبًا بموجب السمع، لأن الخطاب يقرع سمعه، كما المعقول يخطر بقلبه، وصغره لا يدفعه عن المعرفة بواحد من الأمرين.
ولما كان من قول الأمة أنه غير محجوج بخطاب سمعي دل ذلك على أنه غير محجوج بدليل عقلي، ولو كان في العقل الدليل الذي يقولون، لم يجز إلا أن يكون محجوبًا به.
ولو جاز أن ما يحدث له من العلم بالمعقول فلما أجمعوا على أن حجة لا يقوم عليه بالسمع وهو صغير، دل على أنها لا تقوم عليه بالعقل.
فيثبت أنه ليس في العقل هذه الدلالة التي يدعونها، وإنما فيه أحداث الحسن حسنًا والقبيح قبيحًا، فإما أن يكون حسن لعينه أو قبيح لعينه ولا يكون، وإنما يحسن ما ينبغي فعليه الأمر به، ويصح مالا ينبغي فعليه بالنهي عنه وبالله التوفيق.