فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 1140

فإن قال قائل: فإنا لا نقول أن الطينة الأولى كانت خالية من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون.

قيل له: ومن سلم لكم أن طينة كانت، تصفونها بما ذكرتم أو خلافه، وأنه ضرورة تدعو إلى انتهائها.

ويقال لهم: إن كانت! فأي العرضين سبق إليهما الاجتماع أو الافتراق؟ لأنا نجد الأجسام قابلة للأمرين، فإن قالوا: الاجتماع هو الذي سبق! قيل: فهذا يدل على أنها كانت أبعاضًا مجتمعة فكيف يقولون: إنها كانت خالية من الاجتماع! على أنها لو كانت في الأول مفترقة لكان الافتراق واجبًا لها لذاتها، ولما جاز على الافتراق أن يقدم ولو كانت في الأول مجتمعة، لكان الاجتماع واجبًا لها لذاتها، ولما جاز عليها أن يقدم في وجود الاجتماع والافتراق متعلقين على الأجسام دل على أن كل واحد منهما ليس بأولى في وجود الجسم غير منفك منهما ما دل على أنه حدث مثلها والله أعلم.

فإن قال قائل: إذا ثبت لكم أن أبعاض الأرض والماء والهواء تقبل الإستحالة ولم يثبت لكم إن كلها تقبل الإستحالة، ولأن السماء تقبل الإستحالة في جزء لا في كل، فمن أين ادعيتم أن كلها أو السماء حدث.

فالجواب: أنه إذا لم يكن جزء من هذه الأشياء إلا وهو قابل للاستحالة، صح أن الكل لم يعدم استحالته، لأن الإستحالة غير جائزة عليه لكنه الذي يحيل أبعاضها منها ليس يحل كلها ولو شاء أن يحيله لم يمتنع عليه.

وهذا أيضًا حجة في الأفلاك وفي سائر أجزاء السماء، لأن السماء متماثلة الأجزاء، فلما جاز على بعضها أن لا يتحرك جاز على البعض الآخر أن يعدم حركته فيصير إلى مثل حال سائر الأجزاء، وجاز على غير المتحرك منها أن يتحرك فيصير إلى مثل سائر الأجزاء، وفي هذا ما أبان أن المتحرك منها غير متحرك لعينه، ولا غير المتحرك منها غير متحرك لعينه، ولا لأن بخلاف الصفة التي هي لواحد منها غير جائز عليه والله أعلم.

وأيضًا: فإن دلالة الحدث ليست في الإستحالة في السماء فقط إذا لم يكن لجملة النار أو جملة الهواء أو جملة التراب استحالة مشاهدة، أو لم يكن للسماء استحالة مشاهدة في جزء امتنع عليها انقضاء الحدث.

فإن استحالة الأجسام التي في الأرض بأصلها جملة غير مشاهدة، وإنما المشاهد استحالة أجزاء بها، لأن الواحد بعد الواحد يموتون، وتصيبهم الآفات، وكذلك الواحد بعد الواحد من الشجر والدواب والطير، وليس في أن الأجسام كلها تشاهد بطلانها وانتقاصها، دليل على أن البطلان والانتقاص غير جائزين على كليهما، بل هما جائزان على الكل لجوازهما على الإبعاض والحكم بالحديث عليها كذلك واجب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت