ومنها أن يشاهد من دابته حالًا بغير معهود له منها فيستدل بذلك على الأمر الذي قصد تغيير شحها حتى كان منها ما كان، كما روي عن غزوة الحديبية: أن ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بركت، فقال الناس: حلاب ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، فقال: ما حلاب، وما ذلك لها بخلق، ولكل حبسها حابس الفيل عن مكة، فاعلم بترو كما من غير أن كان الحران خلقًا لها أو سمع رأيه، ففزعت منه، أو كلال أصابها فأوهى قواها، إن ذلك صد من الله تعالى عن مكة أن يدخلها قهرًا لئلا يصيب المسلمين من أهلها بالسوء من لا تحره إصابته له، ثم أنزل قوله عز وجل: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ} ، وتفسيره ذلك موجود في موضعه والله أعلم.
ومنه أن يكون بينه وبين أحد كلام واختلاف في أمر، فإذا جاء منهم من يخاطبه عنهم، استدل باسمه، مما هو كائن من أمره، كما استدل يوم الحديبية بحي سهيل بن عمرو على أن الصلح واقع بينه وببينهم، ويسهل سبيله إلى مكة، فكان كما وقع له ووقع الصلح في الحال، وأمن الناس ثم عاد العام القابل، فقضى عمر به وبلغ مراده والحمد لله.
ومنها أن يهتم بأمر فيرفع له صورة حسنة، ويجعل أن حلفاءه من مكة لما جاؤوه يشكون قريشًا إليه، ويذكرون أنهم نقضوا العهد، نظر إلى سحابة بيضاء فقال: إن هذه السحابة لتسهل بنصر بني كعب، ويحتمل أن تلك السحابة كانت تضيء إضاءة فوق المعتاد من مثلها، وكان في مرها تنجو مكة، فعلم أنها مثل ضرب لمصيبة إليها، واشراقها بنور دعوته، وحيرة قلوب أهلها بتركه، كما تحيا الأرض بالمطر النازل من السحاب والله أعلم.
ومنها الرؤيا وهي تبشير أو إنذار أو تعليم، وربما الأنبياء صلوات الله عليهم يفارق رؤيا غيرهم من أوجه: أحدهما: أن ما استوى منها واعتدل وانتظم بعضها ببعض حتى صار للتأويل بها محال منهم بكل حال، وأما غيرهم فقد يصدق منهم وقد لا يصدق، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «إذا تقارب الزمان لم نكاد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا» .
وهذا والله أعلم أن النبي لا يكذب ولا يكذب فلا يكذب أن رؤياهم كانت منهم قبل نفسهم فكذبته نفسه، فإن نفسه معصومة من الكذب ومن الهم به، وليس وراء ذلك إلا أن يقال: أنها من الله - عز وجل - فهو تبارك اسمه من الكذب أبعد.
والوجه الآخرالذي يجوز أن يعلم للاحكام في منامه، ولا يجوز ذلك لغيره ممن ليس بنبي كما يوحى إليه بذلك في يقظته، ولا يكون من ذلك لغير نبي.