فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 1140

وقد أشعر بإتيانه ما أتاه وحرمانهم مثله، أنه أراد إظهاره عليهم، وقطع حجتهم عنه، ألا ترى أن رجلين لو جاءا قومًا، فذكر كل واحد منهما لهم له رسول الله إليهم، فكذبوه، فدعوا الله - عز وجل - معًا وسألاه آية تدلهم على صدقهما، فوقعت الإجابة لأحدهما، واحد بآية من الآيات التي ليس في قوى البشر الإتيان بمثلها.

وتتابعت العبر على الآخر، لعلم علما لا يلامسه شك، أن الذي أجيبت دعوته صادق، وإن الآخر كاذب، ولم يجز أن يكون كذلك أقل من تقدم بلدًا، فإبدان أو رجلان من كانا يدعي كل واحد منهما أن سلطان المسلمين ولاه ذلك البلد واستدعاه أهله، فلا يصدقا فيكتبا إلى السلطان بخبرهما، ويلتمسا منه دلالة على صدقهما فيخص أحدهما بخلع أخيه، ويعرض للآخر بضروب من الجفاء أولًا فأولًا، فإن ذلك لو كان لزال الشك في أمر المكرم وعلى أنه الصادق فيما ادعا من الولاية دون صاحبه.

وكذلك إذا كانت الدعوى من واحد فكذبه قومه، فسأل الله آية فأجابه إليها وأعجزهم عن مثلها، ثم أجرى العادة بأن كل من أصر على التكذيب بعد مجيء الآية عاقبة وعذبه، وجب أن يعلم أن الذي أمده بالآية صادق عليه، وإن المعجزين عن معارضته كاذبون عليه مبطلون فيما ينسبونه إليه من الافتراء على ربه ولو وقع مثل هذا لأهل بلد مع من يدعي أنه واليهم أنفذه سلطان المسلمين إليهم، فإرتابوا به، فسأل السلطان آية، فأنفذ إليه حيًا وجعله في جواب ما استدعاه من الآية التي تدلهم على صدقه، في أنه ولاه عليهم لعلموا عليه بذلك صدقه، فهكذا فليعلم قوم كل رسول، فسأل الله تعالى أنه يعلم بها قومه صدقه، فأمده لعجزه وأرسله، وقد قرن دعواه الرسالة بمعجزة، فلم يعلم لتميزه واختصاصه بها سوى ما ظهر من دعواه وأنه محق صادق، والله التوفيق.

وأيضًا فلا خفا على ذوي البصائر والعقول أن يدعي النبوة لو سأل الله آية فأخرسه الله مكانه أو سلبه العقل، لكان ذلك دليلًا باهرًا على أن الله تعالى أراد بما صنع تكذيبه وهكذا لو ادعى أنه نبي، أو صرفه أنه يقدر من إدراك المعقولات ووجوه الاستنباط على ما لا يبلغه، فهم أحد سواه فسلبه الله العقل مكانه لعلم من شاهد ويعرف حاله إن شاء الله تعالى الله تعالى لم يفعل ذلك به إلا ليكذبه ويجعله نكالًا وموعظة لغيره.

فلذلك ينبغي أن يقال: أنه إذا ادعى النبوة وسأل الله أنه إن ما سعف جوابه سؤاله بما تعجز الإنس والجن عن مثله، أو كانت دعواه مقرونة بمعجزة وجب أن يعلم أن الله - عز وجل - لم يخصصه بها ليدل على صدقه هذا، والكذب على الله الأفتراء عليه بدعوى الرسالة من عنده من أعظم الجنايات فلا يليق بحكمة الله أن يظهر على من يعاطى ذلك واجبرائه عليه آية ناقضة للعادات، وبراءة تستظهر بها على كذبه، فيفتتن العباد به، وتظهر في البلاد العبر العظيمة منه، ولا يؤتيه آي إذا سأله قومه إياها، سلبه سمعه أو بصره، فإن فعل هذا بالصادق في السفير عنه والحث على خلافه لفعل الأول بالكاذب في التسكين إليه والتحريض على اتباعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت