فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 1140

فلو كان يأخذ من الشياطين، ثم يسبهم ويشتمهم ويغيبهم ويكذبهم وينسب ما يغيبونه ويمدونه إلى غيرهم من غير أن يريد بذلك سترًا عليهم وصيانة لهم عن مكروه يخافه عليهم من إظهار أمرهم لما سألوه، ولكان أقل ما يعاملونه به أن لم يضروه أن يهجروه.

ألا ترى أن واحدًا من الناس إذا كان يتلقى عن أحد علمًا مستفيد به في الناس ذكرًا أو مالًا أو جاهًا ثم ترك إلى أن ينسبه إليه، لا لغرض سوى الترفع أن يقال: أنه يأخذ عن فلان وينسبه إلى ضده ويخالفه وصار مع ذلك إلى سبه وشتمه وتكذيبه من غير ضرورة إليه، أو عذر يعرف له فيه، كان من أقل ما يعامله به إذا عرف ما يكون منه أن يقطع عنه مادته ويرفض في إرفاده عادته دون أن يتحمل لأجله المشاق والكلف في تحصيل حاجته ثم يعصمها عليه مع ما يعرفه من رفعة عنه، وإساءة القول فيه.

وإذا كان كذلك ثم لم ينقطع عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - ببراءته من الجن وتكذيبه مسترقة السمع منهم، وذمهم إياهم وتسميتهم بأقبح الأسماء وهو الشياطين، علم ما كان يأتيه، ولقدرت الشياطين على الإضرار به، دل ذلك على أن العلم إنما كان يأتيه من الله تعالى على لسان الملك، دون أن كان شيطان يلقي إليه شيئًا، أو يسترق لأجله سمعًا، منها: أن نبينا - صلى الله عليه وسلّم - ذكر للناس أن الكهانة قد أبطلت ورفعت، وإن الجن حيل بينهم وبين خبر السماء، فقال فيما أوحى الله إليه من قول الجن: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا}

وذكر أن فيما أنزل عليه: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ * إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} :

وقوله عز وجل: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ} .

فلو كان مايقوله إنما يسمعه من مسترقه السمع وكان الإستراق بحالة، والكهانة حالها الكذب وسائر الكهان، ويكون تابع كل كاهن لصاحبه، إنما يأتي محمد أميًا فلان، وإنه واحد منكم، ولأخبر الكهان بذلك للناس ليتمكنوا من كهانتهم، كما كانوا متمكنين منها قبل.

فلما اسكتوا وبطل أمرهم وإنقطع التواقع إليهم لعدم العلم الذي كان يوجد فيما مضى عندهم ثبت أن الكهان إنما عجزوا عن الطعن في النبي - صلى الله عليه وسلّم -، فلم يدعوا أنه من طبقتهم، وواحد من حملتهم، لأنه لم يكن منهم، وكان صادقًا في قوله: إن الجنة حجبوا عن السماء، وبطلت الكهانة وجاءت النبوة، ولولا ذلك لقالوا: ما ذكرنا أنهم لم يقولوه وزادوا على ذلك أنهم كانوا يشاركونه في مخبراته شياطينهم، يأتونهم بمثل ما كان يأتيه به شيطانه، لو كان منهم، فكان يظهر بذلك أن الجن لم يحجبوا عن السماء، وإن الكهانة لم تبطل وسيبين للناس أنه منهم ومثلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت