فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 1140

والسارق لو سرق من ألف مسلم أموالًا عظيمة وهو لا يقدر عليه أولا يعلم به من خبأ وأعترف، فإنه لا يزاد على أن تقطع يمينه لهم جميعًا.

ومعلوم أن ما ينال كل واحد من هذين لا يوازي عظيم جرمه، ولكنه وغيره مما تقدم ذكره يصلح لوقوع الزجر والردع به.

فعلمنا أنه لذلك لا للانتقام والله أعلم.

وكذلك له الذي تعود الحلف بالله تعالى باطلًا، فهو يقدم كل وقت عليها، وجرى على ذلك سنين، فأذهب الله تعالى ماله وألقى بمؤونته على غيره، فليس يجوز أن يكون تعويضه للحاجة إلى غير مواز بالجزاء به على الله تعالى، والحلف بإسمه على مالا حقيقة له فعلمنا أن ذلك ردع وترهيب وليس بانتقام، وبالله التوفيق.

وعلى هذا، فإن من أتاه الله تعالى بعد مقامات كانت له في طاعة نبوة أو ملكًا عظيمًا أو جاهًا عريقًا، وأدام له الصحة والسلامة، فليس يليق بشيء من هذا أن يكون غرضًا، وإن كان إحسانًا وبرًا لأن الذي كان من العبد عبادات أخلصها الله تعالى.

فهذه الوجوه كلها سوى ما يرجع إلى العبد من فوائدها، حقوق الله تعالى تلزمه وتفترض عليه، لأنه تعالى إن أنبأه إحتاج أن يقوم بأعباء النبوة وينفرد لها ويصير على ما يستقبله فيها، وإن ملكه إحتاج إلى الزنا جد نفسه بالعدل بين الناس، والأخذ للضعيف من القوى، وإقامة حدود الله تعالى، واستبقاء حقوق الله تعالى ووضعها مواضعها ومجاهدة أعداء الله تعالى إلى غير ذلك، مما يطول على التعديد والإحصاء، وإن كثر ماله أو بسط جاهه، فعليه من كل واحد منهما حق معروف، وجملته أن يواسي من كل واحد منهما غيره مما يحتاج إليه وإن صح بدنه لزمه في الصلاة والصيام الحج الجهاد فرائض الأصحاء.

فعلمنا أن كل شيء من هذا لا يخلص التعويض فهو إذا ترغيب وتحريض كما ذكرنا وبالله التوفيق.

ثم المعنى في عامة ما وصفت أن هذه الحياة كلها وقت له، فكان الجزاء واقعًا بعد نقض العمل لإحلاله.

والمعهود من الناس كلهم أنهم يوفون العامل أجره، إذا فرغ من عمله، فذلك عند جماعتهم حسن جميل، فكانت معاملة الله تعالى بنحو ما عرفوه واعتادوه.

بل كان ذلك أليق بأن يكون له حكمًا لما ذكرت من أن العدل يفسق، والفاسق قد يعتدل، والمؤمن قد يكفر، والكافر قد يؤمن.

ولا وجه لأن الجميع الجامع في حياته بين العدل والفسق من أن يثاب على عدالته ويعاقب على فسقه، ولا للجامع في حياته بين الكفر والإيمان إن يعاقب على الكفر وثبات الإيمان، لأن هذه المعاني متدافعة غير متلائمة، أعني أن العدالة والفسق صفتان لا تجيئان معًا لأحد، لكن العدالة تنسخ الفسق أن كان تقدمها، والفسق ينسخ العدالة إذا تقدمه، والكفر ينسخ الإيمان ويحبطه، والإيمان ينسخ الكفر ويحبطه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت