فإن كان المعاد لا يوجد فيها فلا خير فإن الجناية في حد ما أنزل من عند الله وإسقاطه أيسر منها في التقول على الله وإضافة ما ليس في تنزيله إلى تنزيله، علمًا أني سمعت عالمًا من علمائهم يقول: إن الله تعالى يقول في التوراة لموسى أني رفعت القتل عن النافين من الذين إتخذوا العجل فأخرت أمرهم إلى قوم علمه عندي، فأخبرني أن ذكر البعث بعد الموت فيها كثير.
وإن يوشع بن نون عليه السلام يسأل الله تعالى أن يريه إحياء الموتى فأمره أن يذهب إلى واد سماه له، فيه ما لا يحصى من رميم الأموات، فأذن الله تعالى العظام المفنية من الأبدان المتفرقة أن تحيى، فكان كل عظم وكل مفصل يفقد منه مكانه، ويرجع إلى موضعه من بدن صاحبه إلى أن تتم جملته، وتستوى كما كانت حتى أراه الأبدان كلها ناشرة، ولم يذكر أنه أحياها.
إلا أن النكر للأحياء، منكر للإعادة، وقد ثبت وجود الخبر عنها.
ما نقلته اليهود عن يوشع، وثبت أيضًا عن يوشع سأل الله تعالى أرائه إحياء الموتى، فأجابه إلى ما يتقدم للأحياء من إعادة الأبدان، ولم يجبه إلى الأحياء لإلتقائه بما أراه، فإنه لم يكن يخفى عليه أن الأحياء بعد إعادة الأجساد، كيف تكون.
ولم يكن يوشع ليسأل الله تعالى إحياء الأموات، إلا بعد أن أخبره الله تعالى وأخبر موسى عليه السلام أنه ما تجب عبادة بعد الموت، فإذا أراد أن يتعجل النظى إلى ذلك ليطمئن قلبه، وإن كان قد تقدم منه الإيمان به.
وقرأت أنا فيما يذكرون أنه الزبور الخبر عن يوم القيامة، وجزاء الناس بأعمالهم في عدة مواضع، فليس لأحد أن يدعي على الأنبياء قبل عيسى عليه السلام أنهم لم يذكروا لأمهاتهم المعاد ولا أن يدعي على الأنبياء قبل عيسى عليه السلام، أنهم الم يذكروا لأممهم المعاد، ولا أن يقطع بنفي ذلك إعتمادًا على أنه لم يجد في التوراة له ذكرًا.
فإنه لو ثبت أن التوراة المنزلة كانت خالية من ذكر المعاد، لكان وجه ذلك أن الله - عز وجل - أخبر موسى بالمعاد بوحي، أو جاءه خارجًا عن التوراة.
فكيف وغير ذلك ثابت، وليس شيء مما علومه عنه منه ثقة، إلا ما ثبت بغير خبرهم أنه فيما أنزله الله تعالى، وبالله التوفيق.
وأيضًا فإن بعض نسخ الكتاب الذي يدعون أنه التوراة هو الخالي من ذكر البعث بعد الموت، فأما الذي ترجمه أحمد بن عبد الله للأنجيل وفيه شي كثير، ذكر أنه مما أنزل الله على موسى من صحف إبراهيم صلوات الله عليهما، فما أكثر ما فيه من ذكر القيامة، وقد قرأته مرات وعلقت كثيرًا منه، ولو لم يكن من هذا شي ليس من المجتمع عليه أن نبينا صلوات الله عليه كان من أولي الألباب ومشهورًا بالحكمة، فإن كان الخاسرون لا يشهدون له بالنبوة، ومعلوم أن القاتل المكلف بأمر من ا لأمور، الحريص على جمع الناس على الاعتراف لديه، لا يأتي بما ينفرهم عن تصديقه، ويضطرهم إلى تكذيبه، وإنما يجتهد في تقريب قراه عليهم، وإشرابه قلوبهم.
فإذا كان هذا هكذا، لم يجز أن يكون محمد نبينا صلوات الله عليه، أخبر بني إسرائيل بأن نبيهم ومن تقدمه أخبرهم بمعاد فيه الجنة والنار، من غير أن يعلم أن ذلك كان منهم، أو مع علمه بأنه لم يكن، وإنما كانت مواعيدهم كلها عاجلة لا آجلة، ولم يكن يخفى عليه وهو عاقل مميز أنه إذا أخبره عن أنبيائهم وكتبهم خلاف ما يعرفون، كان ذلك مدعاة لهم على تكذيبه وجحد نبوته، وتنفيرًا لهم عن الدخول في دينه.