وقال: {وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} .
ولقد أبان الله - عز وجل - المواعيد العاجلة أنها كانت مؤكدة لبينات الرسل، فلما لم تقبل منهم آياتهم أرسل عليهم من العذاب ما كانوا أنذروا به، ليؤكدوا ذلك الآيات التي أعدوها في الدلالة على صدقهم، أو تردع الجائين بعدهم عن مثل صنيعهم، إذ كانت الدار دار التكليف والتعبد.
فأما هتك حرمه الإله المبدع البارئ المصور، الخالق الرازق، فليس يجوز أن يكون العرق أو الصحة أو الريح أو الخسف جزاؤه، لأنه ليس في شيء من ذلك أعظم من سلب الروح، وذلك عقبى كل ذي روح، آمن أو كفر.
وما وراء ذلك فإنما هي روعة ساعة أو كرب ساعة.
ولا يشك أن ذلك لا يقابل عند عظيم حرمة الله - عز وجل - لإيواء الكفر مع تتابع نعمه التي لا تحصى، الزمان الطويل والأمد البعيد، ولا تكذبت رسله والكفر بهم، فصح بذلك أن هذه المواعيد لم تكن تصدر عن الأنبياء عليهم السلام، مقابلة الحق من الإيمان والكفر، ولا الإيمان والكفر بهم أنفسهم، وإنما كانت تصدر منهم على الوجه الذي بيناه وشرحناه.
وإذا كان الملك صح إنما يستخص به بالكفر بالله وبرسله، هو شيء خارج عن هذه المؤخذات العاجلة، وإن جزاءهم بالحقيقة زائد عليها أضعافًا لا يحصيها إلا الله تعالى، فهو لا محالة واصل إليهم إذا صح ذلك، ثم وجدنا الأنذار بما دون ذلك، لم يجز أن لا تكون الأبدان بهذا إلا عظم وأنفًا لأن ظن الخبر عنهم غرور لهم، ولا يجوز على الغرور فثبت أنه قد وقع منهم وإن لم يوجد في كتبهم وبالله التوفيق.
وإذا قد ثبت لنا، أردنا إثباته في مجيء الأنبياء عليهم السلام، بذكر البعث بعد الموت، في الجزاء بالأعمال، علمنا أن الذائعين له، يبعثون بذلك البروج على المنعمين المترفين من الملوك، وذوي الأعمال العظيمة ليستأكلوا بها أعمالهم، ويكتسبوا به الوجاهة عندهم.
وإنما يستعينون على إشراب ذلك قلوبهم بما في الطباع من حب الجمام والراحة، والميل إلى الخفض والدعة، فلا مكيدة لهم ولا لغيرهم من طبقات الكسالى أعظم من أن تصور ما يقرب عليهم الصلوات ومنع الزكوات والعقول عن غيرها من الطاعات، وتسيهل سبيلهم إلى اتباع الشهوات، ومن تأمل الحال علف صدق المقال وبالله التوفيق.