فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 1140

وجواب آخر: وهو أن تخصيص الآية بلا دليل، لأن قوله عز وجل: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} فيه تخصيص كبيرة من صغيرة ولا دليل يوجب هذا التخصيص فوجب أن يضم هذا في الوعد إلى التوبة فيكون كأنه قال: (مَنْ تابَ أَوْ شاءَ الله أَنْ يَغْفِرَ لَهُ) .

فإن قيل: أفتقولون إن من أصحاب الكبائر من لا يشاء الله أن يغفر له فيخلده النار.

قيل: يقول: إن منهم من لا يشاء الله أن يغفر له، ولا يقول: أن منهم من إذا لم يغفر له خلده النار، لأن الله - عز وجل - قد أخبر: إن ما عدا الشرك فهو دون الشرك.

وقد علمنا أن في عدله لا يسوي بين جزاء ذنبه وجزاء من عظم ذنبه، كما لا يسوي بين المحسن والمسيء، فدل ذلك على أن جزاء المشرك إذا كان التخليد كان جزاء من قصر دينه عن ذنبه مقامًا دون ذلك والله أعلم.

وَجَوابٌ آخَرْ: عن كلامهم في أنه المغفرة، وهو أن يقول: إن كان لا يستثنى من الوعيد إلا التائب، فما بال الصغائر مكفرة مغفورة لا حساب الكبائر؟ لم لا جاز أن يغفر الكبائر لاجتناب الكفر؟

فإن قيل: صاحب الصغائر أصلًا وصاحب الكبيرة إذا وافى القيامة بلا كفر واخاها، وكبرته مستحقًا لأن يعذب عليها.

فكيف يستويان؟

قيل له: إن مغفرة الصغائر لمجتنب الكبائر بفضل من الله جل جلاله عليه، ومن تفضل الله عليه بشيء لم يجب أن يتفضل، فدل ذلك على أن الله تعالى إذا كان يتفضل على مجتنب الكبائر بالعفو عن كبائره، وإن كان ذلك غير واجب والله أعلم.

وإن أصبحوا بصحة جمعهم بين الآيتين بقول الله عز وجل: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيًّا * إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا} ، وقالوا: لما وعد الجنة من باب علمنا أن المصر لا حظ له في الجنة.

وقيل: ومعناه إلا من تاب أو شاء الله تعالىأن يجعل أخذ ما تيسير باجتنابه الكفر غفران خطاياه، ووضعها عنه، أو يشفع النبي - صلى الله عليه وسلّم - أو كثرت نوافله وخيراته.

فأراد الله تعالى أن ينبه منها العفو من كبائره فإن كانت مما دلت الدلائل على جواز أن تقابله مغفرة الكبائر من هذه الوجوه يصير كالمقرون بالتوبة نَصًّا، إلا أن يرى الدليل لما دل على أن اجتناب الكبائر يجوز أن يكون سببًا لمغفرة الصغائر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت