وأما الجواب عن تشبيه الوعيد بالوعد، فهو أن العفو عن صاحب الكبيرة لا يوقع حلفًا في الوعيد، لأن الله - عز وجل - إذا قال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} ، فما أخذ بوعيده مع هذا إلا ويصير ذلك الوعيد مقرونًا بشرط المشبه، فيكون قوله عز وجل: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} ، فإنه قرن به الاستثناء.
فقيل: إلا أن يكون ممن سبقت له مشيئة الله تعالى بأنه يدخله الجنة، أو إلا أن يشفع له رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، أو يكون المعنى هذا جزاؤه، ولكنه قد لا يجزيه بل يعفو، فمن عفا عنه لم يلحق خبره من ذلك خلف والله أعلم.
وجواب آخر: هو أن خطاب الله تبارك وتعالى في القرآن عباده عما وقع بلغة العرب لأن الرسول - صلى الله عليه وسلّم - كان منهم ومن ظهرانيهم فلذلك خاطبهم بحسب عاداتهم عن حكم العادة فيما تتفق فيه عاداتهم، وعادة غيرهم.
ومعلوم من عادات الناس أجمعين أن وعيدهم يكون باتًا ووعيدهم معلقًا، فمن قال عنهم لغيره لأعطينك كذا، لم يقله على خيار، ومن قال: لأضربنك قاله على خيار.
وذلك لأنهم يعلمون أن الإحسان والعفو أولى بالمدح من العقاب والمؤاخذة، فإن العقاب ينزع إلى استيفاء الحق والعفو ينزع إلى التصديق بالحق.
ولا يخفى بعد ما بين الأمرين.
وتفاوت ما بين الفعلين.
فمن وعد آخر خيرًا فمنحه كان تاركًا للفضل إلى ما لا فضل منه.
ومن يوعد آخر بشر فلم يفعله، كان تاركًا لما لا فضل فيه إلى ما هو الفضل.
وإذا كان كذلك صح أن الوعد يصدر من صاحبه باتًا، لأنه يريد الإحسان الذي هو سبب المدح والثناء عليه في الدنيا وسبب المثوبة في الآخرة، فلا يليق الخيار بكلامه الذي كان لهم في تخاطبهم.
وإذا كان خطابه لهم فيما تختلف فيه عادتهم وعادة غيرهم بحسن عادتهم وإن الوعيد يصدر معلقًا، لأن الموعد قد يرى أن يدع غير الفضل إلى الفضل، فلا يليق مع هذا بوعيده الثبات، بل يكون المعلق أولى به، فيكون عند قوله: لأفعلن بك كذا وكذا، كأنه يصر على الاستثناء فوصله به.
وقال: إلا أن يشفع شافع، أو إن شئت.
وإذا كان هذا عادة الناس في وعدهم ووعيدهم، وجب أن يكونوا من الله تعالى محمولين على قضيته، العادة المعروفة التي نزل القرآن بها بين ظهرانيهم، ووقع الخطاب به لهم، فيصير الوعد كأنه نص على بته، والوعيد كأنه نص على تعليقه.
فلا ينقلب الوعيد بالعفو كذبًا وبالله التوفيق.