فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 1140

فأما حال البعث: فإنهم يبعثون قيامًا، لقول الله عز وجل: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} وأما حال السَّوق إلى موضع الحساب، فإنهم ينسلون فيها ويسرعون {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} .

فهذا وجه الجمع بين الآيات عندنا والله أعلم.

وقد يحتمل قول الله عز وجل: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} .

على ما ذكرنا في أن هذا يكون في حال سوقهم إلى النار وجهًا آخر، وهو أن يكون ذلك مثلًا مضروبًا لهم: وهو أن الله - عز وجل - وصفهم في هذه الدار بأنهم صم وبكم وعمي، ثم كان معنى ذلك أنهم صم عما يسمعونه من دعاء الداعي إلى الله عز وجل، بكم عن الإجابة عمي عن البينات والحجج.

فكذلك وصفهم الله تعالى في الآخرة، عندما يحشر المتقون إلى الرحمن وفدًا أو يساق المجرمون إلى جهنم وردًا، بأنهم يكونون عميًا بكمًا صمًا على السنة، وهو أنهم صم عن تحيات الملائكة وبشاراتهم، بكم عن المعاذير والحجج، كما قال الله عز وجل: {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} أي لا يكون لهم كلام يجري عليهم فيتكلمون به، ولا عذر فيؤذن لهم في تركه عمي عن طريق الجنة لأن الله - عز وجل - قد قال: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} فهم لا يهتدون إلى غيره.

وهذا أيضًا كما قال الله عز وجل: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ} ، وقال: {لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} .

فدلت هذه الآيات على أن المراد بهذه الآيات الصم والبكم والعمي في الآخرة ما ذكرناه والله أعلم.

وأما قول الله عز وجل: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} فيحتمل أن يكون المراد أنهم من مر الذلة يكونون ناكسي رؤوسهم، لا يبصر أحد منهم إلا موضع قدمه، فهو كذلك كأنه يمشي على وجهه قصد قدميه لا قصد نفسه، وقد وصفهم الله تعالى بذلك فقال: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت