وفي أخبار المسلمين أن فوق السماوات نارًا، وإن لم يكن فيها أنه فلك، وأن إسمها الأثير، كما سماه الذين ذكرناهم به، فإن كان ذلك مأخوذًا لهم عن شيء، فتلك النار من جملة هذا العالم، لا فرق بينهما وبين سائر الأفلاك وغيرها من أجزاء السماوات والكواكب، فلا يخلو من أن يلحقها ما يغيرها عن حالها الأولى، كما يلحق غيرها من أبعاض العالم.
وإذا كانت الكواكب منيرة، فتشبه ولا تبعد بقطع تلك النار وتنزل سفلًا، فيجمع بينهما وبين نار جهنم، كما جمع زمن الطوفان، بين ماء السماء وماء الأرض.
قال الله عز وجل: {فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا} فالتقى الماء على أمر قد قدر.
وإن كان هذا كما وصفنا، فقد يمكن أن يكون اشتقاق السماء من أنها إذا وهت وانحلت تدانت ودنت الغالبة منها بعد أن كانت شديدة البعد حدًا فتكون بغيرها من هذا الوجه لا من النار التي تكون في السفل والله أعلم.
ثم تكون الحملة ـ والله أعلم ـ في بعث الناس قبل هذه الكوائن، أن يشاهدوها فيكون ذلك أشد لتكذيب الذين كانوا يقولون في الدنيا أن هذا العالم لم يزل على ما هو عليه، فلا يزال على ذلك أيضًا ..
وتصديق الذين كانوا يؤمنون بانقضائه وزواله، إذ العلم يقع للفريقين بذلك ضرورة ثم يكون حجة للمؤمنين على الكافرين، أمر الله - عز وجل - ثناؤه نبيه - صلى الله عليه وسلّم - أن يقول: {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ} .
فصل: ووردت الأخبار بأن الناس يطول عليهم القيام في ذلك اليوم، فإنه يوم القيام وقد وصفه الله - عز وجل - بذلك، فقال: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} .
ويحتمل أن يكون معناه يوم القيام صرعة الموت، ويحتمل أن تكون تسميته للمعنيين جميعًا.
فإذا ضجروا وجهدوا سألوا أباهم آدم صلوات الله عليه: أن يشفع إلى الله جل ثناؤه، فيقضي فيهم قضاؤه، فيحيلهم على نوح، ونوح على إبراهيم، وإبراهيم على موسى، وموسى على عيسى، وعيسى يحيلهم على محمد - صلى الله عليه وسلّم - أجمعين.
فيسجد نبينا المصطفى تحت العرش، ويحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ولا يزال ساجدًا إلى أن يقال له: ارفع رأسك، وسل تعطى واشفع تشفع.
فيسأل الله تعالى أن يحاسب عباده ويقضي فيهم قضاءه.
فيأمر الله جل ثناؤه عند ذلك أن يحضر النبيون وكتاب الأعمال، وهم الكرام الكاتبون والمعنيون بالشهداء في قوله تعالى: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّيْنَ وَالشُّهَدَآءِ} ، فحوسب الناس، ما تنطق بهم كتبهم ووريت لهم الأعمال، فيقضي بينهم بالحق، وقيل الحمد لله رب العالمين.