فإذا كان موضع الحسنات حول جهنم، وحيث يكون الصراط والمؤمنون والكافرون في ذلك سواء، وذلك هو الورود على هذا الخارج قوله - عز وجل - {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} أي تخريج وذلك على وجهين أحدهما ننجي الذين اتقوا بأن نباعد بينهم وبين النار، ونأمر بالظالمين إلى النار وننذرهم فيها.
والآخر: ننجي الذين اتقوا من حول جهنم بالإجازة على الصراط، وإذا أخرجناهم سلطانا النار على الظالمين الذين كانوا جثيًا، فأخذتهم على حال جثوهم بركبانهم، فيها.
وهذا على أن ذلك المكان يصير من جهنم بمزايلة المؤمنين إياه، وإن الكفار يجازون على الصراط المستقيم، والله أعلم.
وفيه قول آخر: وهو أن المؤمنين والكفار يجازون على الصراط والله أعلم، وذلك ورود المؤمنين النار، لأن الصراط إنما هو جسر جهنم، وقد يلحق الذين يجوزون فيه من النار أذى.
فإن كان من شرط الورود مس النار والورود، فقد كان ذلك، وإن كان لا يلحقهم أو بعضهم منها أذى، فإن ركوب جسرها الذي يلقي منه ما يلقى إلى النار، وتختطف الكلاليب بعضهم حقيقة بأن يقال له ورود ذلك، وذلك هو الذي أراد الله تعالى بهذه الآية.
ومن قال هذا ولم يقطع بأن الأرض تصير أو شيء منها من جملة جهنم قال الأشبه إن الأرض تعدم إذا ركب الناس الجسر، كما طويت السماوات فكانت عدمًا.
والدليل على ذلك أن الله - عز وجل - سوى بين السماوات والأرضين في قوله خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك، فبان أن مدة الأرض متناهية، كما تكون مدة السماء متناهية، ومن قال بالأول، قال: مدة أرضها متناهية كما أن مدة سمائه والله أعلم.
فإن قيل: جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «من مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا يخله القسم» يعني قول الله عز وجل: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} وهذا يدل على أن الورود ليس هو التطرف، فيكون الجواز على الصراط، وحضور شفير جهنم عند المحاسبة جازيًا عنه قبل.
قيل: أسمى مس النار كما قال أيوب - صلى الله عليه وسلّم: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} أي عوضني.
كذلك لأن مسه بالحقيقة وكما قال عز وجل: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} .
أي لا ينادون بسوء ولا يسوءهم شيء.
فيكون معنى تمسه النار، أي ينادي بها.