فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 1140

قيل له: قد يجوز أن يكون المعنى يحبونهم كالحب الذي ينبغي أن يكون لله - عز وجل - وقد يحتمل أن يكون أراد به المشركين الذين يعترفون بالله - عز وجل - ويزعمون أنهم يحبونه، وهو أيضًا يحبهم، غير أنهم مشركون به بعض خلقه.

كالنصارى الذين يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه وزعموا مع ذلك أن المسيح ابن الله.

ومشركي العرب الذين عبدوا الأوثان وعظموها، وقاتلوا من سبها، هي بعينها، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأحبوا الله تعالى وأحبوا الأوثان أكثر من حبهم لهم، فحبط بذلك حبهم لله تعالى، ولم يحصلوا منه على ثواب واستحقوا بإيجادهم الأنداد من دونه أعظم العقاب والله أعلم.

فصل: فأما ما بدأ بذكره من معاني المحبة وهو في اعتقاد أن الله - عز وجل - محمود ممدوح من كل وجه، فإنه أبين أركان المحبة إذا كانت العبادة الجارية ماضية به، فإن أحدًا لا يحب المذمة تكون فيه، وإنه يحبه لمحمدة يعرفها له إما بالإطلاق وإما بحسب ما يكون عنده فيها.

فإما بالإطلاق: فنحو محبة المسلمين بعضهم بعضًا لأن المواتاة والموافقة من بعض لبعض محمودة عندهم، وإن كانت الموافقة على الخير هي المستوفية للحمل.

فثبت أن الحب لا يكون إلا على ما يحمدون ما يذم بمحبة الله تعالى، أولها: اعتقاد أن كلها مدائح، وهي كذلك بالحقيقة، فوجبت لها المحبة عليها وبالله التوفيق.

وكذلك اعتقاد المعنيين الآخريين وهما إحسانه وإنعامه، وإلا مجاوزتها حد ما يأتي عليه الشكر، هما باللسان للمعنى الذي تقدم ذكره، لأن أولها يلزم الشكر والآخر ويضاعفه والأول يلزمه المنة والأخر يؤنس من إسقاطها، وكل واحد منهما ينافي البغض لأن من أبغض أحدًا لم يستطع حمده ونشر محاسنه، والاعتراف له بالفضل والإفضال.

ومن أنس من مقابلة منعم إذا شكره علم أن أقل ما يلزمه له أن يعتقد أنه مرتهن بحقه، ويصلح قلبه له حتى لا يتمكن منه ما لو بدأ المنعم يكرهه، ولا بتوطئه إلا ما ظهر له منه كبيرة وأعجبه، والله - عز وجل - لا يخفى عليه شيء ولا إنعام يعدل إنعامه، ولا إحسان يوازي إحسانه.

فهو أحق بأن لا يعتقد العبد في ذاته إلا ما يرضاه، ويعصي في إرتكاب ما يكرهه هواه وبالله التوفيق.

وكذلك ما ذكرته في ترك الاشتغال لقضاياه، وترك الإستكثار لتكاليفه، لا إستقال القضايا وإستشعار ظلم، وإستكثار التكاليف وإستشعار حمل، وكل واحد منهما حقًا وإعيان فمن أضمر هذا للآخر في نفسه فقد سهل لبغضه لأن المظلوم لا يحب الظالم ولا المحمول عليه الحامل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت