ويدخل في هذا الباب أن يدعو أحد بالشر على من لا يستحقه أو على بهيمة، يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه سمع رجلًا في سفره يلعن بعيره، فقال: «من هذا اللاعن بعيره؟ فقال: أنا يا رسول الله.
فقال انزل عنه، فإنه لا يصحبنا ملعون» فعاجله بالإنزال عنه وهو في الحاجة إليه قائمة، عقوبة له بلعنه.
ومعنى لا يصحبنا ملعون مدعو عليه باللعن، لأن الذي أدركته اللعنة.
ثم قال - صلى الله عليه وسلّم: «لا تدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم ولا على أموالكم، لا تواقعوا من الله - عز وجل - ساعة عطاء فيستجاب لكم» ومعنى هذا النهي عن أن يدعو الرجل على نفسه أو على ماله بالهلاك، فيعطى ما سأل عقوبة له على دعائه لا إكرامًا بالإجابة والنهي عن أن يلعن البهيمة فتهلك أو يبيد غيرها، أو أن تقع بيد الأعداء فيقاتلوه عليها، وكل ذلك عقوبة له بدعائه لا إكرام له بالإجابة والله أعلم.
وأما الفصل الثالث:
فتفسيره أن يدعو الله تعالى مريض بالعافية، فينبغي أن يكون غرضه في ذلك أن يبرأ، فيصل ويصوم.
أو يدعوه فقير فيسأله مالا ينبغي أن يكون ذلك ليسقط مؤونته عن المسلمين ويبرأ فيتصدق ويواسي.
أو يدعوه فرد فيسأله ولدًا.
فينبغي أن يكون ذلك ليخرج من صلبه من يوحد الله تعالى ويعبده ويعمل بشريعته.
أو يسأله سائل عمرًا طويلًا فينبغي أن يرغب في ذلك لتكثر طاعاته وحسناته.
فأما طلب المال للتفاخر والتكاثر والإستعانة على قضي الشهوات، وطلب البر والتمكن به مما منع المريض عنه من الأمور التي تبعث عليها الأهواء، وكان ذلك غير جائز، والدعاء به جرأة على الرب عز وجل.
وأما الفصل الرابع:
فإن أصل الدعاء هو أن الرجاء يبعث عليه إذ الدعاء طلب، ولا طلب إلا بعد الرجاء فإذا كان الأغلب على قلبه والداعي أنه لا يجاب لم يكن رجاؤه صدقًا فلم يخلص الدعاء ولم يتحقق منه الطلب إلا بعد الرجاء.
فإذا كان الأغلب على قبله الداعي أنه لا يجاب لم يكن رجاؤه صدقًا فلم يخلص الدعاء ولم يتحقق منه الطلب كما لا يتحقق الباعث عليه، والداعي إنما يجاب تصديقًا لرجائه، فإذا لم يصدق رجاءه ولم يستوجب أن يجاب والله أعلم.
وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» والأشبه أن يكون معناه وأنتم لا تظنون الرد، ولا يكون هو الغالب على قلوبكم لأنه أراد: ادعوه معتقدين أن الإجابة إلى غير ما يسألون واقعة لأن الرد ممكن، والنبي - صلى الله عليه وسلّم - لا يأمر أن يعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه.