فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 1140

وإن ضايقنا القوم قلنا لهم: تركهم الأسباب معتلين بأنها قد تخلف، فلا ينجح متهمين لله جل ثناؤه في الأسباب التي سببها لهم، وغير معولين في التعلق بها على فضله، مفوضين أمره إلى تدبيره.

وما أبعد ما بين المتهم بربه وبين المتوكل عليه.

فإن كان من يرى هذا الرأي يجوز أن يسمى متوكلًا، فإنما ذلك كتسمية المهلكة مفازة، والحبشى أبا البيضاء وإلا فلا توكل بالحقيقة منه، وأما غيرهم، فإنه إذا لم يقتصر على مجرد التصبر لم يفعل ذلك، لأنه قد يخلف ولا ينجح، وإنما يقتل، لأن الله قد بين لكل ذي حاجة وحلة نهجًا، وقيض لكثير منهم من أهل دينه أقوامًا أمرهم أن يأخذوا بيده ويريحوا عليه كما أمر الأغنياء بمواساة الفقراء، وأمر المطيعين أن ينصروا المظلوم ويغيثوا اللهفان.

فالأولى بأصحاب الحاجات والحلات.

أن ينتهجوا المناهج المعجولة المبينة لهم، ليكونوا مطيعين لله عز وجل، مفوضين الأمر إليه مسلمين لحكمه وتدبيره، وهذا لا يدخله ما دخل القول الأول، وبالله التوفيق.

ثم نتكلم في الأبواب التي كتبناها في أول الباب فنقول:

أما قول الله عز وجل: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} فإن فيه أن الذين تخوفوا بجمع أهل مكة لقتالهم لم يخافوهم لكثرة عددهم، لأنهم وثقوا من الله بأنه لا يخل نبيه صلوات الله عليه من نصره ومعونته، فقد كانوا شاهدوا ذلك يوم بدر واستيقنوه، ففوضوا أمرهم إلى الله جل ثناؤه، ووطنوا أنفسهم على القتال إن حضر العدو فكانوا بذلك جامعين بين التسبب إلى دفعهم على أنفسهم بالقتال الذي هو طريق الدفع، وبين التوكل على الله تعالى والتفويض إليه، ولم يقعدوا في بيوتهم متربصين أنهم إن حضروا، تولى الله جل ثناؤه كفايتهم إياهم وصدهم عنهم، ولا كان ذلك مما أذن لهم فيه عن أن يؤمروا ويندبوا إليه فعلمنا أن التوكل ليس في قطع الأسباب لكن في استعمال الأسباب على حد الأمر وموافقته، وتفويض النجاح إلى الله تعالى.

والقول في الآية التي في هذه السورة ومن قوله: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} هو أن هذه الآية فيها تنبيه على أن النظر إلى القلة والكثرة خلاف التوكل.

ولذلك قال الله - عز وجل - {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} .

وقال: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ} إلى قوله: {عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت