وفي القول الثاني أن تحريم ثواب حسناته وأصل الإيمان وفروعه سواء، فإذا لم يبق له ثواب وكانت له سيئة عذب عليها بالنار والله أعلم.
ومن ذهب إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص فإنه يقول: أصل الإيمان يتكثر بفروعه، وفروعه تتكثر بعضها ببعض، والمعاصي لا تحبط الطاعات، وإذا لم تحبطها فلا نقصان يلحق الإيمان.
والدليل على صحة ذلك أن فروع الإيمان متأبدة بأصلها، فما لا يحبط أصلها لا يحبطها، لأن الفروع لا تتميز عن أصلها، فإذا لم يجز وجود الكفر مع الإيمان، لم يجز وجود فروعه مع الإيمان، ولأن طاعات المؤمن إنما كانت فروع الإيمان لوجودها في الإيمان المحرك عليها، ولأن طاعات المؤمن إنما كانت فروع الإيمان لوجودها في الإيمان المحرك عليها.
كذلك معاصي الكافر فروع للكفر لأن كفره هو المحرك له عليها.
وقد علمنا أن الأفعال الحسنة في أنفسها إذا وجدت من الكافر لم تكن فروع الإيمان، ولأن طاعات المؤمن لما كانت فروع الإيمان كانت إيمانًا.
فلو كانت سيئاته فروع الكفر فلتكن كفرًا.
فإن قال: حسنات الكافر فروع الإيمان كما أن سيئات المؤمن فروع الكفر.
قيل: ذلك محال! لأن الفرع يقتضي أصلًا أن يصدر عنه، فإذا لم يكن في المؤمن كفرًا استحال أن تكون منه فروع الكفر.
وإذا لم يكن من الكافر إيمان استحال أن يكون منه فروع إيمان.
فإن قال: لو بطل أن تكون سيئات المؤمن من فروع الكفر لبطل أن تكون حسنات الكافر من فروع الإيمان، فبطل أن تكون سيئات المؤمن معاصي لبطلان أن تكون حسنات الكافر طاعات.
قيل: لا يلزم هذا لأن الطاعة والمعصية لا تكونا إلا لأمر.
ولأن الطاعة موافقة للأمر وامتثاله، فمن لا يثبت الأمر لا يمكن أن تؤخذ منه طاعة.
والعصيان مفارقة الأمر، فمن أثبت الأمر أمكن وجود مفارقته منه، والمؤمن يثبت له فيصح وجود العصيان منه وبالله التوفيق.
فإن قيل: فإن لم تكن معاصي المؤمن من فروع الكفر، فما هي؟
قيل: ليس بواجب أن تكون المعصية إلا فرع للكفر، لأن العصيان كما ذكرنا مفارقة الأمر، وليس الداعي إلى مفارقة الأمر الكفر وحده، ولو كان كذلك لاستحال وجود معصية من المؤمن.
ولكن الهوى وحب الشهوات داع إلى المعصية، كما أن الكفر داع إليها.
وإنما توجد المعصية من المؤمن إجابة منه للهوى، ومثلًا منه إلى قضاء شهوته، وليست تقع منه قصدًا إلى خلاف الباري جل ثناؤه.
ولو وقعت لهذا لكانت كفرًا.
فأما الطاعة فلا داعي إليها إلا تعظيم الأمر وابتغاء مرضاته ولهذا لم يصح وجودهما من الكافر، فلهذا كانت طاعة المؤمن كلها فروعًا لإيمانه، ولم تكن معاصيه كفرًا ولا من فروع الكفر، وبالله التوفيق.