فهرس الكتاب

الصفحة 526 من 1140

وأما قوله: «إن إسحق أبو الأنبياء والملوك وإسماعيل لم يلد إلا عبدة الأوثان وسفك الدماء والغائبين في الأرض إلى أن ظهر النبي - صلى الله عليه وسلّم - » .

فجوابه: أن إسحق ابن عمه ولد المجوس الذين هم عبدة الأوثان ومستحلوا البنات والأمهات، وهم ولد الروم على ما مضى وبقي فيهم من أصناف الكفر إلحادًا وغير إلحاد، وما كانت عبادة الأصنام في العجم أقل منها في العرب، فما في هذا.

وأما دعواه في أن أم إسماعيل كانت أمة لأم إسحق، فالأخبار في ذلك مختلفة، فقد روي أن النمرود الذي استدعى سارة إلى داره، لما أراد أن يمد يده إليها يبست يده، فسألها أن تدعو له، فدعت فأطلق الله تعالى يده فأرسلها ووهب لها هاجر، ثم إن سارة وهبتها لإبراهيم صلوات الله عليه لتعجيزها وعقمها من الولد.

وروي أنه أراد أن يمسها، فزلزل البيت من قواعده، فأخرجها إلى البستان، فلما أرادها يبست يده ورجلاه، فسألها عن إبراهيم، فأخبرته أنه نبي الله وزوجها، فدعاه فحضر فسأله أن يدعو ربه ليطلق يده ورجليه، فأوحى الله لا تفعل حتى يخرج إليه من جميع ملكه فأعلمه إبراهيم صلوات الله عليه ذلك فخرج إليه من جميع ملكه، وكانت هاجر، فدعا له إبراهيم عليه السلام.

فأطلق الله تعالى، وعمل إبراهيم إلى ما كان أعطاه، فرد إليه ما خلا هاجر فإنه أمسكها.

وفي هذه الرواية بيان أن هاجر لم تكن لسارة، ولو كانت لسارة لصارت لإبراهيم إذا وهبتها له، ولكن إسماعيل ابن أمة إبراهيم، لا ابن أمة سارة.

وليس في هذا ما يمنع من تقديم إسماعيل على إسحق، فإن ابن الكافرة قد يكون أفضل من ابن حرة، وإنما الذي حدث الكفر، ولا يكون أكثر منه.

وأما دعوى هذا المحتج: أن إسحق هو الذبيح فإنها غير ثابتة، لأن المسلمين من لدن الصحابة إلى الآن مختلفون في الذبيح من ابن إبراهيم صلوات الله عليه، وإلا ظهر أنه إسماعيل، لأن الله - عز وجل - أخبر عما أراه إبراهيم في منامه، وما كان منه، ومن آيته في الإسلام لأمره، وما تدار كفاية من رحمه، وقيضه له من الذبيح الذي قد أولده، وجزاه به بعد أن أطال من السلام والمباركة عليه، ثم قال بعد ذلك كله: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} فدل هذا السياق على أن إسحق لم يكن في ذلك الوقت مولودًا، فكيف يكون هو الذبيح؟

فإن قيل: إنما أراد وبشرناه، يكون إسحق نبيًا، فإنما وقعت البشارة له بنبوته لا بكونه.

قيل: إن قوله عز وجل: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا} فوجب أن تكون البشارة بنفسه أولًا ثم بنبوته.

فمن قصرها على النبوة، فقد أخل بمقتضى هذا الخبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت