فإن كان هذا هكذا لم يمكن أن يكون يعرب أول من نطق بالعربية، لأن قحطان وفالغ ويقطان أسماء عربية.
ولا يحفظ هذا، أن الاسمان ـ أعني يقطان وقحطان ـ إلا عربيان.
فلو لم يكن غابرًا عربي اللسان، لأشبه أن لا يسمى ابنيه باسمين عربيين والله أعلم.
وعلى أن غابر أيضًا اسم عربي، فالأشبه أن يكون المسمى به عربيًا.
وفيه وجه آخر: وهو أن اللغة المنسوبة إلى العرب، والعرب سموا عربًا لأنهم سكان البدو وينزلون على الماء حيث أصابوه.
فإذا تقادموا فيه عرفوا بموضع آخر فيه ماء وصاروا إليه، والعرب في لسانهم الماء.
يقال: بئر كثيرة العرب.
أي الماء.
وبئر عربة: أي كثير الماء.
فسموا عربًا لأنهم يبتغون العرب وهو الماء، ويسكنون حيث يكون، كما سموا المطر سماء، لأنه من قبل السماء يأتي ومن ناحيتها ينزل.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون إسماعيل صار أصلًا جديدًا للعرب، لأن الله تعالى لما أسكنه واديًا غير ذي زرع، وماء خصه بماء أنيط له، ثم وردت غيرهم إحدى قبائل العرب ذلك الماء، فنزلوا عليه، فعلمه الله تبارك وتعالى العربية، ليمكنه مناطقة جيرانه.
وكان الماء يسمى في لسانهم عربًا، ولا يسميهم إياه، سموا بهذا الاسم.
استحق في اللسان الذي أحدث الله تعالى تعليمه إياه أن يسمى عربيًا، لأن غيره إنما كان يدعى باسم ما مشترك بينه وبين غيره.
وأما الذي اتبعه الله تعالى لاسماعيل إنما كان كرامة له خاصة مكان يدعى له وينسب إليه في اللسان الذي استحدثه أحق، فصار أصلًا جديدًا للعربي من حيث علمه الله لغة العرب الذين كانوا.
وحقق له المعنى الذي لأجله كانوا يسمون عربًا والله أعلم.
ووجه آخر: هو أنهم سموا عربًا لشدة أعرابهم الخيل إذا ركبوا، وسميت خيلهم عربًا لشدة جريها، وسرعتها.
لأنهم يسمون النهر الشديد الجري عربه، فشبهوا خيلهم بها، إذ كان لا يشكل أنه ليس في دواب الدنيا أشد منها ولا أجرى، وأغذ سيرًا منها.
وشبهوا ركبانها أيضًا بها، فقيل لهم عرب ولخيلهم عراب والله أعلم.
ويشبه أن يكون النهر يسمى عربه، ويجمع على العراب كالسبخة والسباخ، والرملة والرمال، ويقولون للخيل عراب، أي أنها شديدة الجري.
ويكون قول النبي - صلى الله عليه وسلّم - للفرس الذي ركبه وجد به نحو أخبار: (ياعلي إن كل فرس شديد نهر) .
وهذا يجري فضله في الجري على غيره، كفضل البحر على البحر والله أعلم.
وهذا المعنى أيضًا يقتضي أن يكون إسماعيل أصلًا آخر للعرب، لأنه لما سكن مكة واختلط بجرهم وتزوج فيهم، يعلم الرمي، ولم يكن يركب إلا لخيل العراب، وانضم إلى ذلك تعليم الله جل جلاله إياه لسان العرب إما إلهامًا وإما وحيًا.
فصار اللسان لسانهم والمركب مركبهم، والأصل منهم، والعادة عادتهم، فوجب أن يكون كأحدهم والله أعلم.