وأيضًا فإن الله - عز وجل - آثر الحور العين في الجنة منزلة الأماء في الدنيا، لأنه لم يجعل لهن فيما بينهن وبين رجال الجنة أمرًا على أنفسهن، كما لم يجعل للأماء في الدنيا أمرًا على أنفسهن.
فمن اشترى أمة من شريف أو وضيع ملكها.
وأما الحرائر في الدنيا، فقد جعل لهن على أنفسهن أمرًا، لأن من شاء منهن أن لا تتزوج أصلًا تركت.
وهذا ما لا يكون للحور العين، فكذلك لا ينكر أن يكون لإحداهن رضاء واحد أو كراهية، ولم يجعل لهن تزويج أنفسهن وإنما تزويجهن إلى أوليائهن.
لكان لهم إذا لم يعلموا أنهن فيما يدعون خير أن لا يزوجوا ولا خير في غير الكفر، فلهم أن لا يزوجوه.
هذا هو الجملة.
ثم الذي يبين أن العجمي لا يكون كفيًا للعربية، ما قدمنا ذكره والله أعلم.
يبين هذا أن العربية والإسرائيلية إذا كرهت هنديًا يحطبها أو تركيًا لم يجز أن تزوج وهي كارهة.
وقد يكرم الله تعالى في الجنة من يدخلها إياهم من الترك والهند بالحور العين.
فكذلك العربية إذا كرهت العجمي لم تزوج إياه وهي كارهة.
وإن كان الله تعالى قد يكرم العجمي إذا أدخله الجنة الحور العين والله أعلم.
وأما احتجاجهم بقول الله عز وجل: {ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم} ، فإن الذي رواه في نفسه من الحديث لم يكن فيه حجة، لأنه بين أن المعنى.
ثم لا يكونوا أمثالكم في الذهاب عن أوامر أمثالكم.
ولسنا ننكر أن العجم المطيعة لله تعالى خير من العرب العاصية لله تعالى.
وإنما الخلاف في الفريقين إذا كانا جميعًا مطيعين.
وقد علمنا أن في كل واحد من الفريقين عاصيًا ومطيعًا.
فلا معنى للاحتجاج بالآية في غير موضع الخلاف.
وأما ما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - من قوله: «إن أحسابكم هذه ليست بمسيئات على أحد» ولسنا نخالفه ونقول: ليست العجمية نسبة، ولكن العربية فضيلة، كما أن الهاشمية ليست بسنة، ولكن الهاشمية فضيلة.
ولا نبوة تسبب نسبة، ولكن النبوة والرسالة فضيلة والله أعلم.
وأما ما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «لو كان الدين معلقًا بالثريا، لتناوله رجال من الفرس» .
وتشبه أن تكون أخبار بأن الفرس يسلمون، وتفتح بلادهم، ويذهب ملك الأكاسرة.
وأن الدين وإن كان بعيدًا منهم اليوم لتشددهم في المجوسية فسيقلب الحال، ويكون منهم رجال يتدينون، وليس هذا ما يوجب بفضلهم على العرب.
وأما ذكر المحتج بقول الله - عز وجل - في العرب: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} .
وقوله في نفر من أهل الكتاب: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} .